«قمر الشعب الصناعي».. كيف موّل الأوكرانيون سلاحًا فضائيًا يرصد ويدمر أهداف روسيا؟

0 10

في واحدة من أكثر قصص الحرب الأوكرانية إثارة وغرابة، نجح مواطنون أوكرانيون في تمويل وشراء قمر صناعي استخباراتي تحول لاحقًا إلى أحد أخطر الأسلحة غير التقليدية ضد الجيش الروسي.

القمر الذي أطلقت عليه وسائل الإعلام اسم «قمر الشعب الصناعي» لم تموله حكومة أو مؤسسة عسكرية، بل جاء نتيجة حملة تبرعات شعبية واسعة جمعت ملايين الدولارات خلال الأشهر الأولى من الغزو الروسي، قبل أن يتحول إلى أداة استراتيجية تمنح كييف قدرة غير مسبوقة على مراقبة التحركات العسكرية الروسية واستهدافها بدقة.

قمر استخباراتي بتمويل شعبي

بدأت القصة عام 2022، عندما أطلقت مؤسسة الإعلامي الأوكراني سيرهي بريتولا حملة تبرعات شعبية لشراء طائرات «بيرقدار» المسيّرة لدعم الجيش الأوكراني.

لكن بعد أن قررت شركة «بايكار» التركية تقديم الطائرات مجانًا إلى أوكرانيا، وجد المنظمون أنفسهم أمام نحو 20 مليون دولار من الأموال المتبقية، ليبدأ التفكير في مشروع أكثر طموحًا وتأثيرًا.

وفي أغسطس 2022، اتخذ القرار بشراء قمر صناعي استخباراتي والحصول على إمكانية الوصول إلى قاعدة بيانات شركة«ICEYE» الفنلندية المتخصصة في الأقمار الصناعية الرادارية.

وبلغت قيمة الأموال التي جمعها المواطنون الأوكرانيون نحو 600 مليون هريفنيا، أي ما يزيد على 16 مليون يورو.

«عين أوكرانيا» في الفضاء

منذ دخوله الخدمة، وفر القمر الصناعي أكثر من 5900 صورة استخباراتية عالية الدقة لصالح مديرية الاستخبارات الدفاعية الأوكرانية «HUR».

ويعتمد القمر على تقنية «رادار الفتحة الاصطناعية» (SAR)، التي تسمح بالتقاط صور دقيقة في جميع الظروف الجوية، بما في ذلك أثناء الليل أو عبر السحب الكثيفة.

وتصل دقة بعض الصور إلى 25 سنتيمترًا لكل بكسل، بينما تغطي الصورة الواحدة مساحة تصل إلى 225 كيلومترًا مربعًا.

ووفقًا للاستخبارات الأوكرانية، أصبح القمر الصناعي أداة حاسمة في رسم خرائط البنية العسكرية الروسية، بما يشمل أنظمة الدفاع الجوي والقواعد الجوية ومستودعات الوقود والسفن الحربية والتحركات العسكرية في الأراضي المحتلة وداخل روسيا نفسها.

استهداف قواعد وسفن روسية

نشرت الاستخبارات الأوكرانية مؤخرًا صورًا التقطها القمر الصناعي، أظهرت مواقع عسكرية روسية بارزة، بينها قاعدة أولينيا الجوية ومطار زيابروفكا ومستودعات وقود في كراسنودار، إضافة إلى مواقع دفاع جوي وسفن حربية قرب نوفوروسيسك.

وأكد المتحدث باسم الاستخبارات الأوكرانية أندري يوسوف أن القمر الصناعي لعب دورًا مباشرًا في تحديد الأهداف العسكرية وتقييم نتائج الضربات الأوكرانية.

وقال يوسوف إن الوصول إلى تقنيات الفضاء أصبح عنصرًا حاسمًا في الحروب الحديثة، مضيفًا أن «قمر الشعب» منح أوكرانيا القدرة على معرفة أماكن الاستهداف وكيفية تنفيذ الضربات ومراقبة نتائجها بدقة.

خسائر روسية بمليارات الدولارات

بحسب مسؤولين أوكرانيين، ساهمت المعلومات التي وفرها القمر الصناعي في تدمير آلاف الأهداف العسكرية الروسية خلال السنوات الماضية.

ومن بين أبرز الأهداف التي جرى استهدافها غواصة «روستوف-أون-دون» وسفينة الإنزال الكبيرة «مينسك»، إلى جانب منشآت عسكرية وبنى لوجستية استراتيجية.

وقال سيرهي بريتولا، الذي قاد حملة التبرعات، إن المشروع «استعاد تكلفته عشرات المرات» بسبب حجم الخسائر التي ألحقها بالقوات الروسية.

أوكرانيا تدخل عصر الحروب الفضائية

قبل عام 2022، لم تكن أوكرانيا تمتلك أي قمر صناعي استخباراتي خاص بها، لكن الحرب دفعتها إلى دخول عصر جديد من الصراعات يعتمد على التكنولوجيا الفضائية والذكاء الاستخباراتي الفوري.

وخلال أربع سنوات، تمكنت كييف من مراقبة تحركات القوات الروسية بصورة شبه لحظية، مع إمكانية التقاط ما بين 20 و24 صورة يوميًا للهدف نفسه.

ويرى خبراء أن التجربة الأوكرانية تمثل تحولًا غير مسبوق في طبيعة الحروب الحديثة، حيث أصبح بإمكان المجتمع المدني نفسه تمويل أدوات استراتيجية كانت حكرًا على الدول الكبرى والجيوش التقليدية.

حرب جديدة تتجاوز الأرض

تكشف قصة «قمر الشعب الصناعي» كيف تحولت الحرب في أوكرانيا إلى ساحة اختبار لتقنيات الجيل الجديد من الحروب، حيث تمتزج الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة بالمواجهة العسكرية التقليدية.

كما تعكس التجربة الأوكرانية تصاعد دور التكنولوجيا المدنية والتمويل الجماعي في تغيير موازين القوى على الأرض، في وقت أصبحت فيه المعلومات الدقيقة والصور الفضائية سلاحًا لا يقل أهمية عن الصواريخ والطائرات والدبابات.

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق