سوريا بعد الأسد.. هل ينجح الانتقال الديمقراطي أم تعود شبح الحرب الأهلية؟
ترجمة وإعداد: د/سارة غنيم
بعد سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد وسيطرة قوات المعارضة بقيادة هيئة تحرير الشام على دمشق في ديسمبر 2024، دخلت سوريا مرحلة سياسية جديدة، حملت معها وعودًا بإطلاق عملية انتقالية نحو نظام أكثر انفتاحًا وديمقراطية. إلا أن الطريق، بحسب تقرير نشره موقع Lettera43 الإيطالي، لا يزال مليئًا بالتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ويشير التقرير إلى أن الحكومة الانتقالية برئاسة الرئيس المؤقت أحمد الشرع أعلنت منذ الأيام الأولى أن أولوياتها تتمثل في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار، وإطلاق مسار إصلاح سياسي بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا من الحرب.
إصلاح القضاء والعدالة الانتقالية
ينقل التقرير عن الصحفي السوري منصور العمري، الذي وثّق انتهاكات حقوق الإنسان خلال سنوات الحرب وتعرض للاعتقال والتعذيب بين عامي 2012 و2013، قوله إن نجاح المرحلة الجديدة يبدأ بإصلاح منظومة العدالة.
ويؤكد العمري أن سوريا تحتاج إلى الانتقال من نظام ارتبط، بحسب وصفه، بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان إلى دولة تحترم الحقوق الأساسية للمواطنين، مشددًا على أن الإصلاح لا يقتصر على وقف الانتهاكات، بل يتطلب إعادة بناء المؤسسات بما يمنع تكرارها مستقبلاً.
ملايين النازحين لم يعودوا بعد
ورغم بدء عودة أعداد من السوريين، يشير التقرير إلى أن الطريق ما زال طويلاً أمام استعادة الاستقرار السكاني.
فبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، عاد نحو 3.6 مليون شخص فقط من بين ما يقارب 11 مليون لاجئ ونازح سوري، بينما لا يزال ملايين آخرون يقيمون في مخيمات اللجوء داخل سوريا أو في دول الجوار وخارجها.
دمار واسع وتكاليف إعادة إعمار ضخمة
ويلفت التقرير إلى أن الحرب خلفت دمارًا واسعًا في البنية التحتية، موضحًا أن بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان تشير إلى تضرر أكثر من 40% من المنشآت الأساسية، بما في ذلك المستشفيات والمدارس.
أما تكلفة إعادة الإعمار، فتختلف التقديرات بشأنها، إذ يقدرها البنك الدولي بما يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، فيما ترفع جهات اقتصادية أخرى التقديرات إلى ما بين 600 و900 مليار دولار.
تحديات الخدمات والتعليم
وتنقل الصحيفة عن الصحفية السورية لينا شواف، التي عادت إلى دمشق بعد سنوات من اللجوء في أوروبا، أن الحياة اليومية ما تزال تواجه صعوبات كبيرة.
وتقول إن العديد من المناطق تعاني نقصًا في الكهرباء والمياه، بينما تعتمد بعض الأحياء على الألواح الشمسية لتوفير جزء من احتياجاتها من الطاقة، مشيرة إلى أن النظام الصحي يعاني ضغوطًا كبيرة، وأن نحو مليوني طفل لا يحصلون على التعليم.
وتضيف أن التحدي الأكبر لا يتمثل فقط في إعادة بناء المدن، بل في إعادة ترميم النسيج الاجتماعي الذي مزقته سنوات الحرب، محذرة من استمرار خطاب الكراهية والانقسامات السياسية والطائفية، التي قد تعرقل عملية الاستقرار إذا لم تُعالج بصورة جدية.
المصالحة الوطنية… الاختبار الأصعب
ويشير التقرير إلى أن البرلمان السوري الجديد عقد أولى جلساته في 12 يوليو، بعد تشكيله من 210 أعضاء، جرى اختيار ثلثيهم عبر هيئات إقليمية، بينما عيّن الرئيس المؤقت الثلث المتبقي، مع تمثيل بلغ 21 امرأة داخل المجلس.
ويرى محمود موسى، وهو مدير مدرسة سوري سابق يقيم في تركيا، أن الحكومة تواجه تحديًا بالغ التعقيد يتمثل في تحقيق المصالحة الوطنية.
ويقول إن إعادة دمج بعض المسؤولين السابقين الذين لم تثبت إدانتهم أثارت جدلًا داخل الشارع السوري، إلا أنه يعتبر المصالحة خطوة ضرورية لإعادة بناء الدولة، إلى جانب ترسيخ حرية التعبير التي يرى أنها شهدت تحسنًا مقارنة بالفترة السابقة.
موقع سوريا في معادلات المنطقة
ويرى التقرير أن المتغيرات الإقليمية تمنح سوريا أهمية استراتيجية متزايدة، في ظل استمرار التوترات في الشرق الأوسط.
وبحسب موسى، فإن موقع سوريا الجغرافي قد يجعلها محورًا مهمًا في حركة التجارة الإقليمية، خاصة مع التحديات التي تواجه الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يتطلب، بحسب رأيه، إعادة بناء البنية التحتية وتعزيز الاستقرار السياسي للاستفادة من هذه التحولات.
هل تتحقق الوعود؟
ورغم المؤشرات الإيجابية التي يتحدث عنها بعض السوريين، يبدي آخرون تحفظًا بشأن مستقبل العملية السياسية.
وتنقل الصحيفة عن لينا شواف تشكيكها في قدرة الحكومة الحالية على استكمال انتقال ديمقراطي كامل، مشيرة إلى أن عدداً من قياداتها ينحدرون من خلفيات جهادية، وهو ما يثير، بحسب رأيها، تساؤلات حول مستقبل الإصلاحات السياسية.
وتؤكد شواف أن الاستثمار في التعليم يمثل الضمان الحقيقي لمستقبل سوريا، موضحة أنها تعمل حاليًا على برامج لتأهيل الشباب السوري ومنحهم فرصًا للدراسة والانفتاح على التجارب الدولية، معتبرة أن الجيل الجديد سيكون صاحب الدور الأكبر في رسم مستقبل البلاد.
وتخلص Lettera43 إلى أن سوريا تقف اليوم أمام مفترق طرق، حيث يتوقف نجاح المرحلة الانتقالية على قدرة الدولة الجديدة على تحقيق العدالة، وإعادة الإعمار، وترسيخ المصالحة الوطنية، وبناء مؤسسات قادرة على استيعاب التنوع السياسي والاجتماعي بعد سنوات من الصراع.