أكتوبر على الشاشة.. كيف صنعت السينما المصرية ذاكرة الحرب؟

0 97

كتب: أحمد السيد رفعت

قبل أن يتحول أكتوبر إلى ذكرى للنصر، كان هناك يونيو؛ هزيمة لم تكن مجرد ستة أيام انتهت بانسحاب الجيش المصري من سيناء، بل لحظة فارقة تركت وراءها سؤالًا ثقيلًا: ماذا حدث، وكيف وصلت مصر إلى تلك النتيجة؟

لم تنتظر السينما المصرية طويلًا حتى تبدأ البحث عن الإجابة. اقتربت من الهزيمة بينما كان جرحها لا يزال مفتوحًا، ثم تابعت سنوات الاستنزاف والاستعداد للمعركة، قبل أن توثق العبور والانتصار وتلتفت لاحقًا إلى ما تركته الحرب في أجساد المقاتلين وذاكرة المجتمع.

«العصفور».. الهزيمة تبدأ من الداخل

في فيلم «العصفور» عام 1972، للمخرج يوسف شاهين وبطولة محمود المليجي ومحسنة توفيق، لم تبحث الكاميرا عن أسباب الهزيمة داخل ميادين القتال فقط، بل توجهت إلى مجتمع دخل الحرب مثقلًا بأزماته وتناقضاته.

لم تظهر الهزيمة في الفيلم باعتبارها خبرًا عسكريًا قادمًا من الجبهة، وإنما بوصفها نتيجة تتسلل جذورها إلى الشوارع والبيوت ومؤسسات الدولة.

ولذلك لم يكن السؤال الأساسي: كيف خسر الجيش المعركة؟ بل: كيف وصلت مصر إلى هذه اللحظة؟

قدم شاهين الهزيمة باعتبارها جرحًا وطنيًا تجاوز حدود سيناء، وفتح بابًا واسعًا لمراجعة المجتمع وأسباب الانكسار.

«أغنية على الممر».. بطولة الصمود بعد الهزيمة

محمود مرسي

انتقلت الكاميرا إلى قلب الحصار في «أغنية على الممر» عام 1972، للمخرج علي عبدالخالق، وبطولة محمود مرسي وأحمد مرعي.

يتابع الفيلم مجموعة من الجنود انقطعت بهم السبل عقب هزيمة يونيو، وأصبحوا معزولين عن العالم، من دون معرفة ما يجري خلف خطوطهم. لم يعد في استطاعتهم تغيير نتيجة المعركة، لكن بقي أمامهم اختيار أخير: الاستسلام أو الصمود.

تكمن أهمية الفيلم في أنه عُرض قبل حرب أكتوبر 1973، ولذلك لم يكن قادرًا على استعارة صورة المنتصر من المستقبل. جاءت البطولة فيه أكثر إنسانية؛ بطولة رجال لا يملكون يقين النصر، لكنهم يحاولون حماية ما تبقى من كرامتهم في مواجهة الهزيمة والموت.

من الانكسار إلى الاستعداد للعبور

لم تكن هزيمة يونيو نهاية الحكاية. جاءت حرب الاستنزاف لتعيد تشكيل صورة الجندي المصري، وهو التحول الذي ظهر بوضوح في فيلم «أبناء الصمت» عام 1974، للمخرج محمد راضي، وبطولة نور الشريف وميرفت أمين.

لا يقدم الفيلم الحرب باعتبارها معركة خاطفة أو لحظة منفصلة، بل سنوات طويلة من التدريب والانتظار والقتال، وحياة معلقة على جبهة لا تعرف الهدوء.

وبين «أغنية على الممر» و«أبناء الصمت» تغيرت صورة الجندي على الشاشة؛ فمن مقاتل يحاول ألا ينهار تحت وطأة الهزيمة، إلى رجل يستعيد ثقته بنفسه ويستعد لخوض معركة جديدة.

«الرصاصة لا تزال في جيبي».. من مرارة يونيو إلى نصر أكتوبر

محمود ياسين

بعد العبور، ظهرت أفلام أعادت بناء الحكاية من الهزيمة إلى الانتصار. وفي مقدمتها «الرصاصة لا تزال في جيبي» عام 1974، للمخرج حسام الدين مصطفى، وبطولة محمود ياسين ونجوى إبراهيم.

يحمل الفيلم رحلة جندي تبدأ من مرارة عام 1967، وتمر بسنوات الاستعداد والانتظار، قبل أن تنتهي بالعبور والانتصار. لكن الحرب لا تنفصل فيه عن الحياة؛ فإلى جانب الجبهة، تحضر قصة الحب والبيت والأسرة والوطن الذي ينتظر عودة جنوده.

قدم الفيلم أكتوبر باعتباره استعادة للأرض والكرامة، وفي الوقت نفسه عودة للحياة التي توقفت طويلًا تحت وطأة الهزيمة والحرب.

عندما خرجت الحرب من الخندق إلى المجتمع

هل تمنح نهاية الحرب مسافة كافية لروايتها؟ حاول فيلم «العمر لحظة» عام 1978، للمخرج محمد راضي، وبطولة ماجدة وأحمد مظهر، الإجابة عن هذا السؤال من خلال نقل الحرب من الخنادق إلى المجتمع.

لم تعد المعركة تُروى من وجهة نظر المقاتل وحده، بل من خلال الأسر والأشخاص الذين يعيشون بعيدًا عن الجبهة، من دون أن يتمكنوا من الإفلات من آثارها.

كانت الحرب هناك، بين الجنود والسلاح، لكنها كانت حاضرة أيضًا في البيوت، والانتظار، والخوف، ونشرات الأخبار، وفي قلق العائلات التي تترقب عودة أبنائها.

هل يعود الجندي وحده أم تعود الحرب معه؟

لم تتوقف السينما عند صورة النصر، بل اقتربت من المقاتلين الذين عادوا حاملين آثار الحرب في أجسادهم وحياتهم الخاصة.

في «حتى آخر العمر» عام 1975، للمخرج أشرف فهمي وبطولة محمود عبدالعزيز ونجوى إبراهيم، يعود المقاتل من الحرب مصابًا بالشلل، ليجد نفسه أمام معركة جديدة لا تقل قسوة عن الجبهة: كيف يتكيف مع جسد تغير؟ وكيف تستمر علاقته الزوجية في مواجهة إصابة أعادت تشكيل حياته بالكامل؟

وفي «الرغبة» عام 1980، تقترب السينما من الوجه الخفي للحرب، حيث تستمر آثار إصابة تعود إلى حرب 1967 رغم مرور السنوات.

تتسلل الحرب إلى الحياة الخاصة والعلاقات الإنسانية، فلا تعود حدثًا انتهى بصمت المدافع، بل أثرًا يرافق صاحبه ويعيد تشكيل نظرته إلى نفسه والآخرين.

من سؤال الهزيمة إلى آثار ما بعد الحرب

بدأت السينما المصرية بسؤال: لماذا هُزمنا؟ ثم انتقلت إلى: كيف صمدنا واستعدنا قدرتنا على القتال؟ وبعدها احتفت بالعبور والانتصار، قبل أن تصل إلى السؤال الأكثر قسوة: ماذا تركت الحرب في الذين عادوا منها؟

لهذا لم تظهر الحرب على الشاشة المصرية بوجه واحد. احتفظ «العصفور» بذاكرة الهزيمة وأسئلتها، وحمل «أغنية على الممر» ذاكرة الصمود، ووثق «أبناء الصمت» سنوات الاستنزاف والاستعداد، بينما قدم «الرصاصة لا تزال في جيبي» صورة العبور والانتصار.

ومع «العمر لحظة» خرجت الحرب إلى المجتمع، بينما اقترب «حتى آخر العمر» و«الرغبة» من آثارها على الجسد والعلاقات والحياة اليومية.

هل حفظت السينما ذاكرة الحرب كاملة؟

لا تنتهي الحروب دائمًا بانتهاء القتال؛ فما يتوقف على الجبهة قد يستمر داخل البيوت والأجساد وذاكرة من عاشوا التجربة.

لكن الذاكرة لا تحتفظ بكل التفاصيل بالقدر نفسه. فكلما ابتعد الزمن عن الحرب، اتسعت صورة النصر، وربما تراجعت أمامها تفاصيل الهزيمة والخوف والانتظار والجرح.

ومن هنا يبقى السؤال: هل حفظت السينما المصرية ذاكرة الحرب بكل تناقضاتها، أم اختزلتها بمرور الوقت في صورة البطل المنتصر؟

ربما لا تكمن الإجابة في فيلم واحد، وإنما في المسافة الممتدة بين «العصفور» و«الرغبة»؛ ففي هذه المسافة يظهر مجتمع يحاول فهم أسباب هزيمته، وجندي يستعيد قدرته على القتال، وإنسان يبحث عن طريقة لمواصلة الحياة بما تركته الحرب داخله.

اقرأ للكاتب
حين يصبح العنف بطلًا.. كيف يعيد الفن تشكيل الواقع؟ 

Visited 2 times, 2 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق