محمد غنيم
كان نفسي أن أسمع في «منتدى مصر 2026» مَن يسأل عن الشارع الذي نعيش فيه، وعن الفساد الذي يراه المواطن ويعجز عن مواجهته، وعن مدن جديدة جميلة يطاردها إهمال قديم. أن يتحدث أحد عن طريق تملؤه الحفر، ورصيف لا يجد عليه الماشي مكانًا لقدمه، وتقاطعات تحتاج إلى إشارات، ومحلات تتمدد حتى يصبح المرور أمامها مغامرة يومية.
المواطن يخرج من بيته فيرى تفاصيل لا تحتاج إلى خبير كي يكتشفها، ثم يعود ليسمع كلامًا مطمئنًا، فيسأل نفسه: هل المسؤول يمرّ من الشارع نفسه الذي أمرّ منه؟
أمس كنت أتحدث مع صديق عن مدينة السادات. حكى لي عن كثرة المولات والمحلات، ثم انتقل إلى ما وصفه بمخالفات في تراخيص بعض المنشآت، واستغلال مساحات مخصصة لانتظار السيارات في إقامة محلات تجارية، وأنشطة تُمارَس في بدرومات عقارات بعد العصر. وتحدث عن حملات تمرّ، وأبواب تُغلق، وأنوار تنطفئ، ثم تعود الحياة إلى سابق عهدها بعد انصراف الحملة.
لا أملك مستندات تثبت هذه الرواية، ولهذا أطرحها على جهاز المدينة بوصفها أسئلة تستحق الفحص والرد، لا أحكامًا على منشآت أو أشخاص. ما موقف هذه الأماكن من التراخيص؟ هل تغير استخدام مساحات انتظار السيارات؟ وما الأنشطة المصرح بها في البدرومات؟ ومَن يتابع اشتراطات السلامة وحقوق السكان؟
الإجابة عن هذه الأسئلة ممكنة. هناك رسومات معتمدة، وتراخيص، ومحاضر معاينة، وجهات مسؤولة. وإذا كانت الرواية غير صحيحة، فمن حق الناس أن تعرف الحقيقة. وإذا صحت، فمن حقهم أن يعرفوا كيف استمرت المخالفات، ومَن سمح بها.
ومن بين ما قاله صديقي إن بعض أصحاب هذه المنشآت من ذوي النفوذ، وإن بينهم أعضاء في البرلمان. وهذه نقطة تحتاج إلى تحقق جاد؛ فلا يجوز إدانة أحد اعتمادًا على كلام متداول، لكن وجود اسم كبير في الشكوى لا يصح أن يكون سببًا لإغلاقها. صاحب المنصب العام أولى بالالتزام، ومخالفةٌ يحميها النفوذ أخطر من مخالفة يحاول صاحبها إخفاءها، لأنها تقول للناس إن القانون يعرف مَن يقترب منه ومَن يتركه وشأنه.
ولنأخذ حكاية أماكن انتظار السيارات. إذا كانت مساحة قد اعتُمدت جراجًا ثم تحولت بالمخالفة إلى محلات، فالمسألة تتجاوز تغييرًا داخل مبنى. السيارات التي كان يفترض أن تقف هناك ستخرج إلى الطريق، وتزاحم السكان، وتحتل المداخل، وتدفع المشاة إلى السير بين المركبات.
صاحب المكان يحصل على إيجار إضافي، والشارع كله يسدد الفاتورة. ثم نلوم المواطن لأنه ركن صفًّا ثانيًا، دون أن نسأل أين ذهب الجراج الذي كان يفترض أن يستوعب سيارته. هكذا تتوالد المشكلات: مخالفة مربحة لشخص، وأزمة مكلفة لمئات الناس.
أما الحملات التي وصفها صديقي، فهي حكاية تستحق الوقوف عندها. قال إن بعضها يرفع ثلاجة أو معروضات محدودة، بينما تبقى التجاوزات الأساسية. وما إن يصل خبر الحملة إلى أصحاب المحلات حتى تُغلق الأبواب وتنطفئ الأنوار، ثم يُستأنف النشاط بعد رحيلها.
إذا صح ذلك، فما الذي حققته الحملة؟ المخالفة لم تُسوَّ، والترخيص لم يُفحص، وحق الشارع لم يعد إليه. كل ما حدث أن صاحب المحل أخذ استراحة قصيرة، ربما شرب خلالها كوب شاي، حتى تنتهي الجولة ويعود إلى عمله.
ثم إن إغلاق المحل لا يمحو عنوانه، وإطفاء النور لا يغيّر استخدام المبنى. وإذا كان خبر الحملة يسبقها، فهذه مسألة أخرى تحتاج إلى تحقيق: كيف وصل؟ ومَن أوصله؟ ولماذا لا تتبع الجولةَ متابعةٌ تمنع عودة المخالفة؟
المواطن يقيس جدية الرقابة بما يراه بعد انصرافها. هل عاد الرصيف للمشاة؟ هل فُتح المدخل المغلق؟ هل توقف النشاط المخالف؟ أم أن الصورة وحدها تغيرت، وبقي الواقع في مكانه؟
وبالنسبة إلى البدرومات، لا يصح اعتبار كل نشاط فيها مخالفًا لمجرد وجوده تحت الأرض. الحكم هنا للترخيص وطبيعة الاستخدام واشتراطات السلامة. لكن هذا يفرض على الجهة المختصة أن تفحص، وأن تتابع الأنشطة في الأوقات التي تعمل فيها فعلًا. النشاط الذي يبدأ مساءً يحتاج إلى رقابة مساءً؛ المدينة لا تنتهي حياتها بانتهاء دوام الموظفين.
وراء كل باب سكان لهم حق في الأمان والهدوء، وعمال وزبائن يحتاجون إلى مكان صالح للاستخدام. مَن يتحقق من مخارج الطوارئ والتهوية والأحمال الكهربائية؟ ومَن يتأكد من أن التوسع التجاري لا يجري على حساب سلامة العقار وأهله؟
هذه الأسئلة تمتد إلى صيانة الطرق والأرصفة، وإلى تنظيم المرور، والرقابة على المحلات وإعلان الأسعار والفواتير ومنع الغش. المدينة تحتاج إلى إدارة حاضرة في تفاصيلها، تعرف العيب قبل أن يتحول إلى شكوى متكررة، وتتابع إصلاحه حتى ينتهي.
من المؤلم أن ننفق على إنشاء طريق ثم نترك عيوبه تتسع، أو نزرع حديقة ثم نهمل رعايتها، أو نبني حيًّا منظمًا ثم نشاهد الأرصفة والمداخل تتوزع على أصحاب المحلات. ما نوفره اليوم من جهد المتابعة سندفع أضعافه غدًا في إصلاح ما تلف، هذا إذا أمكن إصلاحه.
ولهذا أرى أن أصل المشكلة هو تراخي الإدارة، وما قد يجد فيه الفساد والواسطة من مساحة للعمل. فعندما يعرف المخالف أن اتصالًا هاتفيًّا قد يحميه، أو أن محضرًا يمكن أن يتوقف، أو أن أحدًا لن يعود لمراجعة التنفيذ، يصبح التمادي قرارًا سهلًا.
أما الملتزم الذي يدفع الرسوم، ويحترم المساحة المقررة له، وينتظر الموافقات، فينظر إلى جاره المخالف ويسأل: لماذا أتحمل أنا كل هذا، بينما يكسب هو من تجاوزاته؟ هذا السؤال، حين يتكرر، يهدم الثقة ويجعل الواسطة تبدو طريقًا أقصر من الإجراءات.
لا نريد أن يصبح احترام القانون عبئًا على صاحبه. نريد أن يعرف الناس أن حقوقهم محمية، وأن القواعد تطبق على الجميع، وأن الموظف الذي يؤدي عمله يجد سندًا، والذي يتغاضى أو يتربح يُحاسَب.
ومن هنا كان أملي أن يُطرح هذا الملف بوضوح في المنتدى. كيف نراقب أداء أجهزة المدن؟ أين يستطيع المواطن متابعة شكواه؟ مَن يسأل المسؤول عن مخالفة استمرت تحت عينيه؟ وماذا يحدث عندما تتعلق الشكوى بصاحب نفوذ؟
نحتاج إلى إجابات محددة، وإلى فحص معلن للشكاوى، ومواعيد للتنفيذ، ومتابعة تُظهر ما أُصلح وما بقي. ومن حق جهاز المدينة أن يرد ويوضح، ومن واجبه أن يتحقق. فالشفافية تحمي مَن يعمل بضمير، وتكشف مَن يتستر خلف الأوراق والأختام.
مصر تستحق أن تنجح مدنها الجديدة في حياة الناس اليومية، وأن يجد السكان فيها أثر الأموال التي أُنفقت والوعود التي سمعوها. النجاح يظهر حين يستطيع طفل أن يمشي على الرصيف، وحين تمر سيارة إسعاف دون أن يعطلها تعدٍّ، وحين يجد صاحب الشكوى جوابًا وإجراءً، دون أن يبحث عمّن يعرفه.
أما إذا ثبتت المخالفات، فلا يكفي أن نسأل: مَن ارتكبها؟ علينا أن نسأل أيضًا: مَن سمح؟ ومَن تغاضى؟ ومَن استفاد؟ ومَن عطّل المحاسبة؟
لا قيمة لحملة تحمل ثلاجة وتترك مَن يحمي المخالفة، ولا هيبة لقانون يتوقف عند باب صاحب نفوذ.
يا سادة، حين تُطفأ أنوار المحلات وقت الحملة، لا تختفي المخالفات؛ يبقى الامتحان الحقيقي للجهة التي جاءت لتطبق القانون. فإما أن تستكمل عملها، وإما أن ترحل تاركةً للناس رسالة قاسية: أغلِق بابك قليلًا، وافعل بعد ذلك ما تشاء.
وهذه رسالة لا يجوز لدولة تحترم قانونها أن تسمح بتكرارها.
اقرأ أيضا:
مصر في قبضة الفوضى.. حين تقود الواسطة ويأخذ القانون مطبًّا
يا وزير التعليم… أصلحوا المدارس قبل أن تحاكموا أفراح الأطفال