مصر في قبضة الفوضى.. حين تقود الواسطة ويأخذ القانون مطبًّا

في وسط الزحام تذكّرت يوسف إدريس… حتى ساويرس يحتاج إلى حاوي!

0 71

كتب: محمد غنيم

في وسط الزحام تذكّرت يوسف إدريس. أمامي سيارات لا تتحرك، وخلفي رجل يضغط على الكلاكس بإصرار، كأنه اكتشف وسيلة لدفع السيارات بالموجات الصوتية.

إلى جواري موتوسيكل يسير عكس الاتجاه، وعلى مسافة خطوات رجل مسن يحاول عبور الطريق، يتقدم قليلًا ثم يتراجع.

تأملت وجهه المرتبك، وفكرت: كيف أصبح الخروج لقضاء حاجة بسيطة امتحانًا في النجاة؟

أمسكت بالمقود، وانتظرت. مرّ الموتوسيكل، وتعثر الرجل في عبوره، وظل الكلاكس يعمل. عندها بدا لي أننا نحمّل الزحام أكثر مما يحتمل؛ ففي هذا المشهد إهمال وتراخٍ واستباحة للطريق، وأناس يتصرفون بثقة مَن يعرف أن أحدًا لن يسأله.

تذكّرت ما كتبه يوسف إدريس في مقاله «فكر الفقر وفقر الفكر»، ضمن كتابه «فقر الفكر وفكر الفقر»: «الفقر يؤدِّي إلى فقر، والأزمة تؤدِّي إلى أزمات». كان يحذّر من فقر التفكير الذي يقود إلى قرارات تزيد المشكلات تعقيدًا.

واليوم تستطيع أن ترى الفكرة في حفرة تُترك حتى يتآكل الطريق حولها، وفي مخالفة تُهمل حتى تصبح عرفًا يحكم الشارع.

لكن علينا أن نسمّي الأشياء بأسمائها. فوضى الشوارع تكشف تراخيًا في أداء الدولة لوظيفتها اليومية: تطبيق القانون، وحماية الطريق، ومنع التعديات، ومحاسبة المقصرين.

حين تستقر المخالفة أمام العيون، ويتكرر وقوعها في المكان نفسه كل يوم، يصبح السؤال موجّهًا إلى مَن يسمح باستمرارها بقدر ما هو موجّه إلى مرتكبها.

كيف يحتل مقهى رصيفًا كاملًا، ويضع كراسيه في الطريق، ثم يظل شهورًا وربما سنوات؟ كيف يسير سائق عكس الاتجاه كل صباح حتى يصبح وجهه مألوفًا لأهل المنطقة؟ وكيف تتحول حفرة إلى عنوان يُقال عند وصف المكان: «بعد الحفرة الكبيرة، ادخل يمين»؟

يبدو أن الحفرة اكتسبت وضعًا قانونيًا من طول الإقامة، بينما المواطن ما زال يحاول إثبات حقه في رصيف.

وتزداد المشكلة حين تدخل الواسطة والمعارف. القانون يفقد هيبته كلما استطاع شخص تعطيله بمكالمة، أو الإفلات منه باسم يعرفه.

المواطن الذي يرى غيره ينجو من المحاسبة يتعلم درسًا سيئًا: ابحث عمّن يحميك قبل أن تسأل عمّا يلزمك.

أما الفساد في إجراءات الترخيص، فثمنه قد يُدفع على الأسفلت. استخراج رخصة قيادة بالرشوة أو المجاملة، حيث يحدث، يضع حياة الناس في يد شخص لم يُختبر كما ينبغي. الذي يتقاضى المال لتمرير غير المؤهل، والذي يتوسط له، يشتركان في مسؤولية خطر يخرج من بوابة وحدة المرور إلى الشارع.

الرخصة شهادة بأن صاحبها يستطيع القيادة بأمان. فإذا أمكن تجاوز الاختبار بالمال أو المعرفة، فماذا بقي من معناها سوى صورة صاحبها وختم الجهة التي أصدرتها؟ وأي حملة مرورية تستطيع أن تعالج خللًا يتجدد من المنبع؟

بعد ذلك نطالب السائق باحترام الحارة والاتجاه وحق المشاة، بينما بعض الناس تعلّموا منذ أول إجراء أن القواعد قابلة للتفاوض.

في الطريق، لكل شخص فتواه الخاصة. سائق يسير عكس الاتجاه لأنه «داخل هنا قريب»، وآخر يقف صفًّا ثانيًا لأنه «خمس دقايق ونازل»، وثالث يغلق مدخلًا لأنه «سايب رقمه».

والعجيب أن صاحب المخالفة قد يغضب منك إذا اعترضت، كأنك أنت الذي أخللت بالنظام المتفق عليه.

والمشاة ينزلون بين السيارات لأن الرصيف توزّع بين إعلان وبضاعة وكراسي مقهى وحفرة. السائق يتذمر، والماشي يخاف، وصاحب التعدي يجلس مطمئنًا يتابع المباراة. وحده استفاد من المشهد، وربما اشتكى هو أيضًا من الزحام!

حتى نجيب ساويرس ضاق بما يجري، وانتقد تداخل المشاة والتوك توك والموتوسيكلات ومخالفة الاتجاهات، ولخّص القيادة في مصر بقوله: «عايزة حاوي مش سواق».

معه حق في وصف العبث. تحتاج إلى توقع حركة مَن أمامك قبل أن يقررها، وإلى عين تراقب الاتجاه الصحيح وأخرى تترقب القادم من الاتجاه الممنوع. لكن طلب الحاوي يظل نكتة حزينة؛ فالناس تحتاج إلى شارع تحكمه قواعد، ويعرف مَن يخالفها أن حسابًا ينتظره، مهما كان اسمه أو معارفه.

أما المطبات والحفر، فلها نصيب ثابت من أعمار السيارات وظهور ركابها. طريق يبدو ممهدًا، فتطمئن، ثم تفاجئك خبطة تجعلك تخفض صوت الراديو لتسمع ما انكسر. وقد تمر بالمكان بعد أسابيع فتجد الحفرة في صحة جيدة، تكبر وتزدهر، بينما سيارتك تتردد على الميكانيكي.

وحين تعود إلى بيتك بحثًا عن الهدوء، يلحق بك الشارع. تروسيكل يحمل مكبر صوت، وموتوسيكل يذيع أغنية على الحي كله، ومقهى يرفع الصوت حتى يشعر الجالس في بيته أنه حجز طاولة دون أن يدري.

مَن منح هؤلاء حق اقتحام بيوت الناس بالصوت؟ ومَن يتابع الشكوى بعد تقديمها؟ المريض يريد أن ينام، والطالب يريد أن يذاكر، والعائد من عمله يريد ساعة راحة. حقوق بسيطة، لكنها تضيع حين يتعامل المسؤول مع الإزعاج باعتباره أمرًا يمكن احتماله، ما دام بعيدًا عن نافذته.

وفي زيارتي الأخيرة إلى العاصمة الجديدة بداية من “كيان سيتي”، رأيت مدينة جميلة تستحق العناية. لكنني لاحظت في بعض الأماكن أشجارًا تحتاج إلى تهذيب، وحدائق تسللت إليها الحشائش، وآثار متابعة أقل مما يحتاجه المكان. لا أعمّم انطباع زيارة على المدينة كلها، لكن المشهد يثير سؤالًا عن مصير ما ننفق عليه بعد افتتاحه.

مَن يتسلم أعمال الصيانة؟ ومَن يراجع تنفيذها؟ وهل تُطابق الأوراق ما يراه الناس على الأرض؟ هذه أسئلة واجبة، خصوصًا عندما يتكرر الإهمال رغم وجود جهات مسؤولة وعقود وميزانيات.

الشجرة لا تقرأ محضر استلام، والمواطن لا يستطيع السير على تقرير يقول إن الرصيف سليم. العمل تظهر نتيجته في المكان، وأي توقيع يخالف الواقع يحتاج إلى مساءلة.

سألني صديقي الأجنبي: «بلدكم جميلة، لماذا يُترك كل هذا؟ أين المسؤولون والمرور والنظام؟»

آلمني السؤال. أحب هذا البلد، وأعرف أن فيه مَن يعمل بضمير، لكنني لا أستطيع الدفاع عن إهمال أراه، ولا اختراع عذر لمخالفة مستمرة. وحب البلد يدفعني إلى السؤال عمّن قصّر، وعمّن تستر، وعمّن قبض، وعمّن تدخل لحماية المخالف.

نعم، للمواطن مسؤولية عن سلوكه. لكن مسؤولية الدولة أكبر بحكم سلطتها وما تملكه من أدوات. هي التي تمنح الترخيص، وتراقب تنفيذه، وتزيل التعدي، وتحقق في الرشوة، وتحاسب الموظف الذي يبيع توقيعه وصاحب النفوذ الذي يتدخل لتعطيل القانون. مطالبة الجميع بالأخلاق لا تُغني عن أداء هذه الواجبات.

نحتاج إلى إجراءات يمكن أن نلمس أثرها: اختبار قيادة جاد لا تتجاوزه مجاملة، وتحقيق في شكاوى الرشوة، ومحاسبة مَن يتدخل لإسقاط مخالفة بغير حق، ومتابعة للصيانة على الأرض، ومسؤول معروف يمكن سؤاله عن طريق تُرك أو رصيف احتُلّ. ويجب أن تبقى هذه المتابعة قائمة بعد انتهاء الحملة وانصراف الكاميرات.

أتمنى أن ينزل المسؤول إلى الشارع كما ننزل نحن، بلا ترتيبات تسبقه. يمشي قليلًا، ويحاول عبور الطريق، وينتظر في الزحام، ويسأل نفسه عن كل مخالفة يراها: مَن المسؤول عن منعها؟ ولماذا استمرت؟ ومتى تنتهي؟

لقد أُرهق الناس من تدبير حياتهم حول الإهمال: يحفظون الحفر، ويغيّرون مواعيد نومهم بسبب الضوضاء، ويسيرون في نهر الطريق هربًا من رصيف مسلوب، ثم يُلامون على عصبيتهم.

في وسط الزحام تذكّرت يوسف إدريس، وفكرت في كل الأموال والأعصاب والأعمار التي نخسرها لأن خطأً صغيرًا تُرك، أو مخالفةً حماها شخص، أو توقيعًا بيع بثمن.

يا سادة، نريد أن نصل إلى بيوتنا سالمين. هذا واجب دولة، ولا يصح أن يظل حيلة مواطن.

اقرأ للكاتب:
القناعة كنز لا يفنى… درسٌ تركه لي أبي
يا وزير التعليم… أصلحوا المدارس قبل أن تحاكموا أفراح الأطفال
الشهرة أم المعرفة؟ كيف صنعت السوشيال ميديا خبراء الصحة الوهميين 

 

Visited 4 times, 4 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق