بين التاريخ والفلسفة والتأويل الديني: قراءة نقدية في رواية “نبي أرض الشمال”
بقلم د. أمل درويش
يعيش الإنسان حياته محملا بمجموعة من المبادئ والقيم، تؤثر فيه، كما يتفاعل معها، ويطوعها حسب زمانه ومكانه، وقد يخضعها البعض وفق رغباته وأهوائه، فينتقي منها ما يؤكدها، وينفي ما يثنيه عنها، حتى ولو لم تكن تلك الرغبات هي الأسمى، أو الأنقى.
وتبدو فكرة الانتقاء فكرة جيدة إذا ما طبقت بشكل سوي وسليم بما يخدم أهداف المجتمع، والعمل على الخير، ولكن.. تأتي الصدمة التالية محطمة لكل التوقعات؛ فهل هناك حقيقة مطلقة؟ أو بمعنى أدق هل للحقيقة وجه واحد؟ وهل الثوابت تظل واحدة في كل زمان ومكان؟؟
أسئلة كثيرة شغلت بال الكاتب الدكتور أسامة عبد الرؤوف الشاذلي، نجدها تمثل شغله الشاغل في كتاباته، يُقبل على الكتابة مدفوعا بشغفه للإجابة عن العديد من الأسئلة التي يحاول معنا أن يفتح لها آفاقا جديدة، علّه يحصل على إجابات شافية ومقنعة..
ولطالما نبش الكاتب في جحور مطمورة، وحاول فتح كهوف مؤصدة، عششت على أبوابها عناكب الظلام، ونسجت خيوط الجهل وأحكمت إغلاقها، بل وحرّمت كل فرصة للولوج فيها، ونشر الضوء لتبديد ظلماتها..
هكذا يخاف البعض من الفهم والمعرفة، ويغضبون من البحث والتفكير، ويرون أن الحل الأسلم في التصديق والتسليم بكل ما وصل إلينا من الأجداد، وما اختلط به من خرافات وأساطير، ربما زيفت وجه الحقيقة، وأبدلتها كينونة غير كينونتها.. ومع ذلك تبقى الأساطير محتفظة بجزء من الحقيقة، ولكنها مغلفة بالعديد من الإضافات التي تكسبها صبغة القدسية..
من ذا الذي يجرؤ على إعادة تفسير نص ديني، أو تأويله بصورة غير التي ترسخت في عقولنا وحفظناها عن ظهر قلب، ولكن هل توقفنا للحظات لتفكيكها ومحاولة فهمها؟
وما أسعد هؤلاء حين يأتي خبر علمي جديد أو كشف يؤكد تفسيرهم لنص ديني، دون أن يعي هؤلاء أن ربط العلم بالدين سبب رئيس لتشكك البعض وزعزعة الإيمان في نفوسهم، لأن العلم قد يأتي أحيانا بحقائق لم نكن قد اكتشفناها من قبل، أو يصحح معلومات قد ربطناها من قبل بنصوص دينية!!!
وقد استطاع الكاتب الشاذلي من خلال كتابه يأجوج ومأجوج ولقاء مع ذي القرنين أن يطرح نظرية جديدة في تفسير حقيقة يأجوج ومأجوج اللذان يشكلان إحدى علامات الساعة، من خلال البحث وإعادة فهم النصوص الدينية بشكل مناسب لما وصلنا إليه من علم ومعرفة.. وقد لاقت هذه النظرية اعتراض الكثيرين، وعدم قبولهم لمجرد طرح الفكرة للنقاش أو إمعان التفكير والتفسير..
نبي أرض الشمال:
لم يبتعد كثيرا الكاتب الشاذلي عن أسلوبه الباحث عن المعرفة، والحريص على التفكير وتفنيد ما وصل إلينا من أخبار وأساطير ومحاولة إيجاد طرق جديدة للتفسير..
ولكنه هذه المرة سلك طريقا آخر غير المباشرة في الطرح كما عرض في كتاب يأجوج ومأجوج ولقاء مع ذي القرنين، بل استخدم أسلوب السرد الروائي، لينفذ من خلاله إلى وعي المتلقي، ويطرح أفكاره بشكل أعمق، حيث يلقى السرد الروائي إقبالا أكثر لدى القراء، كما يمكن طرح العديد من الرؤى والأفكار بشكل أكثر انفتاحا وترك مساحات أكبر لخيال القارئ، يمكنه من خلالها معايشة الأحداث، والتفاعل مع الأبطال.
شكلت رواية نبي أرض الشمال صدمة للقارئ بداية من العنوان اللافت، ذلك العنوان الذي يثير زوابع الشك ويزلزل ثوابت الذاكرة، ليستنفر ذهن القارئ مستنكرا ظهور نبي في أرض الشمال، ومتسائلا عن ماهية أرض الشمال المقصودة، وأين مكانها..
ويكمل الغلاف حالة الدهشة بألوانه الترابية والمزولة القديمة “الساعة الشمسية” التي تشغل دور البطولة فيه، وتستحوذ على جزء كبير منه تحيطها دوائر تمثل الأبعاد الزمنية برموزها الإغريقية، وإحداثيات المكان في إشارة للربط بين زمني الرواية الماضي والحاضر وارتباطها بالمكان.
ثم تستقر في الأسفل سفينة شراعية قديمة تكافح في مواجهة أمواج عاتية تضربها من كل اتجاه.. ليستشعر القارئ يقينا أنه مقبل على رحلة غير يسيرة، تتضارب فيها الأفكار، لتعصف بثوابته، وتزلزل حقائق كثيرة ظن أنها مطلقة غير قابلة للتشكيك..
زمن الرواية:
اختار الكاتب الربط بين زمنين مهمين، الزمن الأول وهو زمن ازدهار الحضارة اليونانية في القرن الرابع قبل الميلاد التي تميزت بكونها حضارة اعتمدت على الوعي والمعرفة والبحث والإدراك، بعيدا عن المرجعية الدينية، وسطوة الكهنة للسيطرة على العقول، كما اتسمت الحضارات الشرقية القديمة..
اختار الكاتب مرسيليا، المدينة الإيطالية القابعة على سواحل البحر المتوسط، والتي شهدت جزءًا كبيرا من الأحداث القديمة، وكذلك الأحداث الحالية بعد مرور أكثر من ألفي عام، لتكون منارة للبحث العلمي، ومركزا للدراسة والأبحاث التي يقوم بها البطل في العصر الحديث.
المكان:
يعقد الكاتب عدة مقارنات بين مرسيليا القديمة والحديثة، من خلال السرد ورحلة عمر القداح في العصر الحديث، واحتفاظ المدينة بالكثير من معالمها التاريخية والحفاظ عليها كتراث أثري، يزوره السياح ويستشعرون وجود الحضارة القديمة من خلال ما تركوه خلفهم من مبان ومقتنيات توضح طريقة حياتهم..
بالإضافة إلى المناطق الأخرى في أوروبا التي يستحضرها السرد في العالم القديم والحديث..
كما ينقل لنا بعض ملامح حياة عمر قبل سفره، وقريته الصغيرة، ويتدرج منها إلى المركز ثم المدينة، ليعقد بعض المقارنات بين حياة الشرق والغرب وما تحمله من مفارقات..
الأبطال:
يبدو قدموس وأيولا بطلا الجزء القديم، يقابلهما عمر وأبريال بطلا الجزء الحديث حكايات عشق ممنوع، يصطدم بالظروف والعادات والتقاليد والموروث الذي يعوق اكتمال قصص العشاق دونما ذنب اقترفوه..
ولكن هناك أبطال يشكل وجودهم أهمية كبرى في السرد، فهناك المعلم أنوسطس الذي يزن الأمور بعقل وحكمة، ويظن أنه يطبق تعاليم أستاذه بيثاغورث رغم كل الصعاب التي تواجهه، ولكن حلمه لا يكتمل لأنه لم يحسن اختيار تلاميذه.. ولم يستطع فهم روح التعاليم التي يحاول تطبيقها.
أما أنجوس فيشكل البطل الجامح، الذي يلهث خلف طموحه، ولا يهتم بمشروعية الطرق التي يسلكها ليحقق ما يصبو إليه.
بيثياس المارسيلي المعلم الذي تضطهده الأغلبية ولا تتبعه سوى أقلية من الناس المؤمنة بأفكاره، حيث يتهم بالهرطقة، لمجرد أنه فكر وطبق العلوم التي تعلمها وأشار إلى أمور لم يألفوها..
اقرأ أيضا:
قصص أمل الرندي تُلهم الأطفال.. حكايات عن حب الوطن وإتقان العمل