كتب: أحمد السيد رفعت
لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية تتحرك وفق خطوط الجبهة وحدها؛ فالهجمات باتت تمتد إلى العواصم ومنشآت الطاقة والمراكز اللوجستية والمطارات، بينما يتسارع إيقاع الضربات على نحو يضيّق الوقت المتاح أمام القرارات السياسية والعسكرية.
وخلال الساعات الأخيرة، تعرضت موسكو ومحيطها لهجوم واسع بالطائرات المسيّرة، تسبب في أضرار بمنشأة نفطية واضطراب حركة الطيران، قبل أن تشهد منطقة كييف ضربات روسية جديدة أسفرت، بحسب السلطات الأوكرانية، عن سقوط ضحايا وأضرار في مواقع سكنية وصناعية وخدمية.
ولا تعني هذه التطورات أن المواجهة المباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي «الناتو» أصبحت واقعًا، لكنها تكشف عن تحول واضح في طبيعة الحرب، بعدما أصبح العمق الاستراتيجي والبنية التحتية المدنية والاقتصادية جزءًا متزايد الأهمية من ساحات الصراع.
موسكو.. الحرب تقترب من قلب العاصمة
يكتسب الهجوم الذي تعرضت له موسكو أهميته من موقعه بقدر ما يستمدها من حجمه. فالسلطات الروسية أعلنت اعتراض أكثر من 1600 طائرة مسيّرة منذ السبت، قالت إن نحو 450 منها كانت متجهة إلى العاصمة.
وبحسب الرواية الروسية، أسفر الهجوم عن مقتل شخصين في منطقة موسكو، وإلحاق أضرار بمنشأة داخل مصفاة نفط، إلى جانب إخلاء مبنى سكني عقب اندلاع حريق. ووصف عمدة موسكو، سيرغي سوبيانين، الهجوم بأنه الأكبر من نوعه على العاصمة حتى الآن.
وأدت القيود المؤقتة التي فرضت على حركة الطيران إلى تأخير أكثر من 400 رحلة في مطارات موسكو، فضلًا عن تحويل عدد من الرحلات إلى مطارات بديلة، قبل أن تعلن السلطات رفع القيود لاحقًا.
وهنا تتجاوز آثار الهجوم حدود استهداف موقع عسكري أو اقتصادي؛ فحين تصل الطائرات المسيّرة إلى المجال المحيط بالعاصمة، يصبح الطيران المدني والحياة اليومية وحركة النقل جزءًا من التداعيات المباشرة للحرب.
كييف.. الوجه الآخر للتصعيد
في المقابل، تعرضت منطقة كييف لضربات روسية جديدة، قالت السلطات المحلية إنها أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال.
وأفادت التقارير الأوكرانية بتضرر 31 موقعًا موزعة على خمس مناطق، وشملت الأضرار منازل ومنشآت صناعية وخدمية وعددًا من المركبات.
ولا تكمن أهمية المشهد في عقد مقارنة رقمية بين الهجمات التي طالت موسكو وتلك التي تعرضت لها كييف، بل في سرعة تتابعها. ففي غضون ساعات، واجهت العاصمة الروسية موجة كبيرة من المسيّرات، بينما تعرضت العاصمة الأوكرانية ومحيطها لضربات جديدة، ما يشير إلى تقلص المسافة الزمنية بين الهجوم والرد.
منشآت الطاقة في قلب الحسابات العسكرية
تمثل الأضرار التي لحقت بالمنشأة النفطية في موسكو مؤشرًا جديدًا على اتساع نطاق الأهداف المرتبطة بالحرب.
وتتعامل أوكرانيا مع قطاع الطاقة الروسي باعتباره أحد الموارد الأساسية التي تدعم قدرة موسكو الاقتصادية على تمويل عملياتها العسكرية، ولذلك أصبحت المصافي ومخازن الوقود والمنشآت اللوجستية أهدافًا متكررة للهجمات بعيدة المدى.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن الهجوم استهدف منشآت نفطية ولوجستية روسية، مشيرًا إلى استخدام أسلحة أوكرانية بعيدة المدى.
في المقابل، قال عمدة موسكو إن الهدف من الهجمات كان تعطيل الانتخابات البرلمانية، مؤكدًا أن المحاولة لم تحقق غايتها. ويظل ذلك تفسيرًا روسيًا لدوافع الهجوم، وليس حقيقة مستقلة حُسمت بأدلة محايدة.
وبعيدًا عن اختلاف روايتي موسكو وكييف، تكشف التطورات عن حقيقة أساسية: الطاقة لم تعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت أداة ضغط وهدفًا عسكريًا ضمن معركة الاستنزاف طويلة الأمد.
المسيّرات تقلّص المسافات الآمنة
ربما يتمثل التحول الأبرز في الحرب في الدور المتزايد للطائرات المسيّرة بعيدة المدى. فلم تعد هذه الأسلحة مرتبطة بالمواقع القريبة من الجبهة، بل أصبحت قادرة على الوصول إلى المصافي والمطارات والمراكز اللوجستية والبنية التحتية في عمق أراضي الخصم.
وبهذه القدرة، تغيّر المسيّرات المفهوم التقليدي للمسافة الآمنة؛ إذ يمكنها التأثير في الاقتصاد وحركة النقل والقدرات العسكرية من دون الحاجة إلى تحقيق تقدم بري أو تغيير خطوط السيطرة.
وهكذا قد ترتفع كلفة الحرب وتتسع تداعياتها، حتى إذا ظلت خريطة الجبهة على حالها.
سرعة الأحداث تضغط على القرار
لا تقتصر خطورة التطورات الأخيرة على طبيعة الأهداف، بل تشمل كذلك سرعة انتقال الأحداث من ساحة إلى أخرى.
فخلال ساعات قليلة، انتقلت الصورة من هجوم واسع على موسكو إلى اضطراب في حركة الطيران وتضرر منشأة نفطية، ثم إلى ضربات روسية جديدة على منطقة كييف وسقوط مدنيين، بينما سارع كل طرف إلى تقديم روايته وتفسير أهدافه.
هذه السرعة تفرض ضغوطًا متزايدة على الحسابات السياسية والعسكرية؛ فكل ضربة تخلّف أثرًا قد يتحول بدوره إلى مبرر أو مدخل لضربة جديدة. وبذلك، لا يعود المشهد مجرد تبادل تقليدي للهجمات، وإنما سلسلة متلاحقة من الأفعال وردود الأفعال التي يصعب فصل حلقاتها.
حرب تتجاوز خطوط الخريطة
لا تزال الحدود قائمة بين الحرب الروسية الأوكرانية والمواجهة المباشرة بين موسكو والناتو، ولا تكفي التطورات الأخيرة للقول إن هذه الحدود قد انهارت.
لكن ما يتغير بوضوح هو طبيعة الحرب داخل نطاقها الحالي؛ فالعمق الروسي تحول إلى ساحة للاستهداف، والطاقة دخلت بصورة مباشرة في الحسابات العسكرية، والمجال الجوي المدني بات معرضًا للاضطراب، في وقت تستمر فيه الضربات على المدن والمنشآت الأوكرانية.
ولذلك لم تعد قراءة مسار الحرب مرتبطة فقط بالأراضي التي يسيطر عليها كل طرف، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بسرعة الضربات، واتساع نطاق الأهداف، والقدرة على احتواء نتائج كل خطوة قبل الانتقال إلى الخطوة التالية.
ويبقى السؤال: هل تملك الأطراف الوقت والإرادة الكافيين لوقف دورة التصعيد؟ ففي حرب طويلة كهذه، قد لا يكمن الخطر الأكبر في حجم الضربة المقبلة، بقدر ما يكمن في أن تأتي قبل أن تنتهي حسابات الضربة التي سبقتها.
اقرأ أيضا:
من صواريخ كييف إلى عقوبات واشنطن وتهديدات أوروبا.. هل تدخل الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة أخطر؟