نوبل الكيمياء 2026 لكاجان وسواي.. اكتشافات جعلت الجزيئات «تختار» صورتها في المرآة

0 67

أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، الأربعاء 7 أكتوبر، فوز العالم الفرنسي هنري بي. كاجان والعالم الياباني كينسو سواي بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026، تقديرًا لاكتشافاتهما المتعلقة بـ«التأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي غير المتناظر».

وتفتح أبحاث العالمين الباب أمام فهم أحد أكثر الألغاز الكيميائية تعقيدًا: كيف تستطيع التفاعلات الكيميائية إنتاج صورة واحدة مفضلة من جزيئين متشابهين، يمثل كل منهما انعكاسًا مرآتيًا للآخر؟

ويحمل الاكتشاف أهمية خاصة في صناعة الأدوية؛ إذ قد تكون لإحدى صور الجزيء فائدة علاجية، بينما تكون الصورة المقابلة غير فعالة أو قد تسبب آثارًا جانبية ضارة. reuters.com

ما المقصود بالكيرالية؟

ركزت جائزة هذا العام على ظاهرة تُعرف باسم «الكيرالية»، وهي وجود بعض الجزيئات في صورتين مرآتيتين لا يمكن وضع إحداهما فوق الأخرى بصورة متطابقة، رغم التشابه الكبير بينهما.

وشبّه البروفيسور هاينر لينكه، رئيس لجنة نوبل للكيمياء، هذه الظاهرة باليدين اليمنى واليسرى؛ فهما متشابهتان، لكنهما ليستا متطابقتين ولا يمكن تراكبهما بصورة كاملة.

ويُعد جزيء «الكارفون» أحد الأمثلة المعروفة على هذه الظاهرة؛ إذ ترتبط إحدى صورتيه برائحة النعناع، بينما تعطي الصورة المرآتية الأخرى رائحة الكراوية. ويرجع اختلاف استجابة الإنسان إلى الصورتين إلى أن مستقبلات الشم في الجسم تتكون هي الأخرى من تراكيب كيرالية.

كيف تختار الطبيعة صورة واحدة؟

تتكون البروتينات في جسم الإنسان من أحماض أمينية ذات اتجاه كيرالي محدد، بينما نادرًا ما تستخدم الحياة الصورة المرآتية المقابلة. ويُطلق العلماء على هذه الظاهرة اسم «التناظرية الأحادية» أو «التجانس الكيرالي».

وظل السؤال عن كيفية ظهور هذا الانحياز في الطبيعة لغزًا حيّر الكيميائيين لأكثر من قرن: لماذا فضّلت الحياة صورة واحدة من الجزيئات بدلًا من استخدام الصورتين بالتساوي؟

وساعدت اكتشافات كاجان وسواي العلماء على فهم كيفية دفع التفاعل الكيميائي إلى تفضيل صورة مرآتية واحدة، بدلًا من إنتاج كميات متساوية من الصورتين.

وقالت لجنة نوبل إنهما قدّما حلًا للغز كيميائي يتجاوز عمره قرنًا، ووصفت التفاعلات التي طوراها بأنها «مذهلة».

كاجان يكتشف «التأثير غير الخطي»

بدأت الخطوة الحاسمة الأولى عام 1986، عندما اكتشف هنري كاجان تأثيرًا غير خطي في بعض التفاعلات الكيميائية غير المتناظرة.

وفي التفاعلات التقليدية، كان من المتوقع أن تتناسب درجة نقاء الناتج الكيرالي بصورة مباشرة مع درجة نقاء العامل المحفز المستخدم. لكن كاجان أثبت أن العلاقة قد تكون غير خطية، وأن اختلافًا محدودًا في المحفز يمكن أن يؤدي إلى زيادة أكبر بكثير في إنتاج إحدى الصورتين المرآتيتين.

وقدمت هذه النتيجة طريقة جديدة لفهم التفاعلات غير المتناظرة والتحكم فيها، ومهدت لتطوير محفزات أكثر كفاءة وانتقائية.

تفاعل سواي يضاعف نفسه

واصل كينسو سواي الطريق من خلال اكتشاف تفاعل يعتمد على «التحفيز الذاتي»، أي أن ناتج التفاعل يعمل بنفسه محفزًا لإنتاج كمية إضافية من الصورة الجزيئية ذاتها.

نشر سواي عام 1995 نتائج تفاعل قادر على تضخيم انحياز كيرالي ضئيل، ثم قدم لاحقًا تفاعلًا تنتج عنه صورة مرآتية واحدة تقريبًا، وهو ما ساعد على تفسير الكيفية التي ربما نشأ بها التجانس الكيرالي في الطبيعة.

ويُعرف هذا التفاعل في الأوساط العلمية باسم «تفاعل سواي»، وأصبح نموذجًا مهمًا لدراسة أصل الكيرالية وتطورها.

أهمية الاكتشاف في صناعة الأدوية

تمثل الكيرالية قضية بالغة الأهمية في تطوير الأدوية؛ لأن جسم الإنسان قد يتعامل بصورة مختلفة تمامًا مع كل صورة مرآتية من المادة الفعالة.

فقد تمتلك إحدى الصورتين التأثير العلاجي المطلوب، بينما تكون الأخرى أقل فاعلية أو بلا فائدة، وقد تؤدي في بعض الحالات إلى تأثيرات غير مرغوبة.

ومنحت اكتشافات كاجان وسواي الكيميائيين أدوات ومعرفة أعمق لتصميم تفاعلات تنتج الشكل الجزيئي المطلوب بدقة، وهو ما يساهم في تطوير الأدوية والمواد الكيميائية المعقدة بكفاءة وأمان أكبر.

وقال عضو في لجنة نوبل إن تأثير هذه الأبحاث لا يرتبط بدواء واحد بعينه، بل يمتد إلى الفهم والأدوات المستخدمة في تطوير المحفزات وصناعة المستحضرات الدوائية الحديثة.

من هما الفائزان؟

وُلد هنري بي. كاجان عام 1930 في بولوني-بيانكور بفرنسا، وحصل على درجة الدكتوراه عام 1960 من «كوليج دو فرانس»، ويشغل منصب أستاذ فخري في جامعة باريس-سود السابقة.

ويُعد كاجان من أبرز رواد التحفيز غير المتناظر، وأسهمت أبحاثه في تطوير طرق تسمح للكيميائيين بالتحكم في البنية الفراغية للجزيئات.

أما كينسو سواي، فوُلد عام 1950 في هيروشيما باليابان، وحصل على الدكتوراه من جامعة طوكيو عام 1979، ويعمل أستاذًا فخريًا في جامعة طوكيو للعلوم.

وقال سواي خلال مشاركته هاتفيًا في مؤتمر إعلان الجائزة إنه كان يتسوق بالقرب من منزله عندما تلقى الخبر، واصفًا ذلك اليوم بأنه من أكثر أيام حياته إثارة، ومعربًا عن سعادته باقتسام الجائزة مع كاجان. reuters.com

قيمة جائزة نوبل للكيمياء

يتقاسم العالمان مكافأة مالية تبلغ 12 مليون كرونة سويدية، بما يعادل نحو 1.2 مليون دولار، إلى جانب الميدالية الذهبية وشهادة الجائزة.

ومن المقرر تسليم الجوائز خلال الاحتفال الرسمي في ستوكهولم يوم 10 ديسمبر، الذي يوافق ذكرى وفاة ألفريد نوبل.

ثالث جوائز أسبوع نوبل

تُعد الكيمياء ثالث فئات نوبل التي أُعلن عنها هذا العام، بعد جائزتي الطب والفيزياء.

وفاز بجائزة الطب الأميركي كارل ديسيروث والألمانيان بيتر هيجمان وجورج ناجل، عن اكتشافاتهم المتعلقة بقنوات الأيونات التي تُنشّط بالضوء وتطوير علم البصريات الوراثي.

كما مُنحت جائزة الفيزياء للعالم البلجيكي الأميركي فرانسيس هالزن، تقديرًا لإسهاماته الحاسمة في مرصد «آيس كيوب» واكتشاف النيوترينوات عالية الطاقة ذات الأصل الفلكي.

ومن المقرر إعلان جائزة الأدب الخميس، والسلام الجمعة، ثم جائزة العلوم الاقتصادية الاثنين 12 أكتوبر.

أحمد زويل.. أول مصري يفوز بنوبل الكيمياء

يحتل العالم المصري الراحل أحمد زويل موقعًا بارزًا في تاريخ الجائزة، بعدما حصل على نوبل في الكيمياء عام 1999 عن أبحاثه الرائدة في «كيمياء الفيمتو».

وطور زويل تقنيات تعتمد على نبضات ليزر فائقة القصر، أتاحت رصد حركة الذرات والجزيئات أثناء التفاعلات الكيميائية على مقياس الفيمتوثانية، الذي يعادل جزءًا من مليون مليار جزء من الثانية.

ومكّن هذا الإنجاز العلماء من متابعة التفاعل الكيميائي في أثناء حدوثه، ليُعرف زويل عالميًا بلقب «أبي كيمياء الفيمتو».

نوبل الكيمياء عبر التاريخ

بدأ منح جوائز نوبل عام 1901 تنفيذًا لوصية العالم والمخترع السويدي ألفريد نوبل. وحتى عام 2025، مُنحت جائزة الكيمياء 117 مرة إلى 200 فائز، يمثلون 198 عالمًا؛ لأن فريدريك سانغر وباري شاربلس حصلا عليها مرتين. NobelPrize.org

وذهبت جائزة عام 2025 إلى الياباني سوسومو كيتاجاوا، والأسترالي ريتشارد روبسون، والأميركي عمر ياغي، تقديرًا لتطويرهم الأطر الفلزية العضوية، وهي هياكل جزيئية مسامية تمتلك تطبيقات في تخزين الغازات وتنقية المياه ومواجهة بعض التحديات البيئية.

ويضيف تكريم كاجان وسواي فصلًا جديدًا إلى تاريخ الجائزة، بعدما نجح العالمان في تفسير كيفية انتقال الكيمياء من عالم تتساوى فيه الصور المرآتية إلى عالم تستطيع فيه الطبيعة والتفاعلات المعملية «اختيار» صورة جزيئية واحدة.

اقرأ أيضا:
نوبل الفيزياء 2026 لفرانسيس هالزن.. «آيس كيوب» يفتح نافذة جديدة على أسرار الكون      فوز ثلاثة علماء بينهم امرأة بجائزة نوبل فى الكيمياء 2022 طوروا آلية مبتكرة لبناء الجزئيات 

 

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق