لوبان تَعِد بخفض عجز فرنسا إلى أقل من 3%.. والسندات تنتعش
باريس : بريجيت محمد
كشفت مرشحة اليمين القومي للانتخابات الرئاسية الفرنسية مارين لوبان، الثلاثاء 6 أكتوبر، عن خطة اقتصادية واسعة تستهدف خفض العجز العام وكبح تصاعد الدين، في محاولة لتعزيز مصداقيتها المالية وطمأنة المستثمرين قبل انتخابات الرئاسة المقررة في ربيع عام 2027.
وتزامن إعلان الخطة مع تحسن في سوق السندات الفرنسية؛ إذ انخفض عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات بنحو 14 نقطة أساس إلى 4.72%، في أكبر تراجع يومي منذ مايو، وسط ترحيب حذر من المستثمرين بمستهدفات ضبط المالية العامة. reuters.com
خفض العجز إلى أقل من 3%
تستهدف خطة لوبان خفض عجز الموازنة، البالغ نحو 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الجاري، إلى مستوى يقل عن 3% بحلول عام 2030، ثم إلى أقل من 2.5% في عام 2032، وهو العام الأخير من الولاية الرئاسية المقبلة.
وتتضمن الخطة تحقيق توازن أولي في الموازنة خلال 18 شهرًا من تولي السلطة، وخفض نسبة الدين العام إلى نحو 112% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2032، مقارنة بنحو 121% متوقعة في عام 2027. كما تستهدف تقليص الإنفاق العام إلى أقل من 50% من الناتج المحلي بنهاية الولاية.
وقالت لوبان، خلال عرض خطتها في باريس، إن التشدد المالي يمثل «خيارًا متعمدًا» لإرسال رسالة واضحة إلى الأسواق مفادها أن مرحلة تدهور المالية العامة الفرنسية قد انتهت، وأن باريس تستطيع استعادة مكانتها شريكًا اقتصاديًا موثوقًا.
140 مليار يورو من الوفورات
تعهدت لوبان بتحقيق وفورات صافية بقيمة 140 مليار يورو بحلول عام 2032، مقارنة بمستويات الإنفاق المسجلة في 2026، مقابل 125 مليار يورو كانت قد اقترحتها سابقًا.
ومن المقرر تنفيذ الجزء الأكبر من إجراءات خفض الإنفاق خلال السنوات الثلاث الأولى من الولاية، من خلال إعادة هيكلة عمل الدولة وتقليص بعض الأجهزة والنفقات الحكومية، إلى جانب مراجعة المساهمات الفرنسية في ميزانية الاتحاد الأوروبي والنفقات المرتبطة بسياسات الهجرة.
وتشمل الخطة أيضًا تخفيضات ضريبية بقيمة لا تقل عن 30 مليار يورو، وهو ما أثار تساؤلات اقتصاديين بشأن قدرة لوبان على التوفيق بين خفض الضرائب وتقليل العجز وتمويل وعودها الاجتماعية.
ثلاث ركائز لضبط الدين والعجز
تعتمد خطة لوبان على ثلاث ركائز رئيسية:
- فرض «قاعدة ذهبية» دستورية تُلزم الحكومات المتعاقبة بخفض العجز سنويًا.
- تنفيذ برنامج واسع لتقليص الإنفاق الحكومي وإعادة هيكلة أجهزة الدولة.
- تخفيض المساهمات الفرنسية في الاتحاد الأوروبي وتقليص النفقات المرتبطة بالهجرة، مع تعزيز مكافحة التهرب والاحتيال الضريبي.
وتقترح لوبان عرض «القاعدة الذهبية» على استفتاء شعبي، بحيث ينخفض العجز بما لا يقل عن نصف نقطة مئوية سنويًا، وصولًا إلى تخفيض الدين العام تدريجيًا نحو مستوى 60% من الناتج المحلي الإجمالي.
وبموجب المقترح، لن يكون من الممكن تجاوز المسار المحدد للعجز إلا بموافقة أغلبية ثلاثة أخماس البرلمان، بينما يتطلب تكرار الاستثناء في عام ثانٍ إجراء استفتاء جديد.
دعوة البنك المركزي الأوروبي إلى التدخل
دعت لوبان إلى فتح نقاش مع البنك المركزي الأوروبي بشأن التدخل للمساهمة في خفض تكاليف الاقتراض، ولكن بعد أن تثبت فرنسا قدرتها على استعادة السيطرة على ماليتها العامة.
وقالت إن تراجع تكاليف خدمة الدين يمكن أن يوفر عشرات المليارات من اليورو على مستوى أوروبا، بما يسمح بتمويل مشروعات الدفاع والتكنولوجيا والتحول المناخي وتعزيز السيادة الأوروبية.
غير أن تدخل البنك المركزي الأوروبي يواجه قيودًا قانونية ومؤسسية؛ إذ لا تسمح قواعده بتمويل الحكومات مباشرة، كما تخضع عمليات شراء السندات لشروط صارمة، من بينها التزام الدولة المعنية بالضوابط المالية الأوروبية.
ويرى محللون أن مشكلات الدين الفرنسي تعكس اختلالات مالية فعلية، وهو ما قد يجعل تدخل البنك أقل احتمالًا
انتقادات لخطة لوبان
أثارت الخطة انتقادات من منافسين سياسيين وخبراء اقتصاد شككوا في واقعيتها، لا سيما مع استمرار تعهدات لوبان بخفض بعض الضرائب ومراجعة إصلاح نظام التقاعد والسماح لفئات من العاملين بالتقاعد بداية من سن الستين.
ويرى المنتقدون أن تقليص الإنفاق بهذا الحجم قد يؤثر سلبًا في النشاط الاقتصادي والخدمات العامة، بينما تقول لوبان إن إعادة تنظيم مؤسسات الدولة ومكافحة الهدر والاحتيال وخفض الإنفاق المرتبط بالهجرة ستوفر الموارد المطلوبة من دون تحميل المواطنين مزيدًا من الضرائب.
ضغوط متزايدة على السندات الفرنسية
تأتي خطة لوبان في وقت تتعرض فيه السندات الحكومية الفرنسية لضغوط قوية، مع ارتفاع تكلفة الاقتراض واتساع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل عشر سنوات إلى مستويات لم تُسجل منذ أزمة ديون منطقة اليورو.
ويشعر المستثمرون بالقلق إزاء ارتفاع الدين العام، واستمرار العجز، والانقسام داخل البرلمان، وقدرة الحكومة على تمرير الإجراءات اللازمة لضبط الحسابات العامة.
وقدمت حكومة رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو مشروع موازنة لعام 2027 يتضمن إجراءات جديدة بقيمة 43 مليار يورو، بهدف خفض العجز، إلا أن مصير المشروع يظل مرهونًا بمواقف قوى المعارضة داخل البرلمان المنقسم.
انتخابات الرئاسة الفرنسية في 2027
تتصدر لوبان استطلاعات الرأي المتعلقة بالجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، المقرر إجراؤها في 18 أبريل 2027، على أن تُعقد الجولة الثانية في 2 مايو من العام نفسه. Service Public
وتحاول مرشحة التجمع الوطني من خلال برنامجها الجديد تغيير الصورة التي ارتبطت بمواقفها الاقتصادية السابقة، خصوصًا مقترحات التخلي عن اليورو، والتي تراجعت عنها خلال السنوات الأخيرة.
لكن اختبار الخطة الحقيقي سيظل مرتبطًا بالتفاصيل التنفيذية: كيف ستوفر لوبان 140 مليار يورو، وتحافظ في الوقت نفسه على وعودها بخفض الضرائب وحماية المعاشات، من دون إضعاف الاقتصاد أو زيادة الأعباء على المواطنين؟.
اقرأ أيضا:
المدعي العام الفرنسي ينفي الطابع السياسي لإدانة مارين لوبان وحزبها يعلن التصعيد