الصحة بعد الستين.. 5 ركائز لحياة أكثر نشاطًا واستقلالية
كتبت: د/سارة غنيم
لا يعني بلوغ سن الستين بداية التراجع الحتمي في الصحة أو القدرة على ممارسة الحياة بصورة طبيعية؛ فالتقدم في العمر تصاحبه تغيرات فسيولوجية متفاوتة، مثل انخفاض الكتلة العضلية وكثافة العظام، وتباطؤ عملية الأيض، وزيادة احتمالات الإصابة ببعض الأمراض المزمنة.
ومع ذلك، يمكن للعادات اليومية الصحية أن تساعد على الحفاظ على الحركة والاستقلالية والقدرات الذهنية وتحسين جودة الحياة. ويعتمد ذلك على خمسة محاور أساسية: التغذية المتوازنة، والنشاط البدني، والصحة النفسية والعقلية، والفحوصات الوقائية، والنوم الجيد.
أولًا: تغذية تحمي العضلات والعظام
تزداد أهمية جودة الطعام مع التقدم في العمر؛ إذ يحتاج الجسم إلى أطعمة غنية بالعناصر الغذائية، حتى مع انخفاض احتياجاته اليومية من السعرات الحرارية.
ويُنصح بتناول مصادر متنوعة من البروتين، مثل الأسماك والبيض والبقوليات والدواجن ومنتجات الألبان أو بدائل الصويا المدعمة، للمساعدة على الحفاظ على الكتلة العضلية والحد من خطر الإصابة بالضعف العضلي المرتبط بالعمر.
كما ينبغي أن يتضمن النظام الغذائي:
- الخضراوات والفواكه المتنوعة يوميًا للحصول على الألياف والفيتامينات ومضادات الأكسدة.
- الحبوب الكاملة، مثل الشوفان والخبز الأسمر والأرز البني.
- الدهون الصحية الموجودة في زيت الزيتون والمكسرات والبذور والأفوكادو.
- مصادر الكالسيوم وفيتامين «د» وفيتامين «بـ12»، وفق احتياجات الشخص ونتائج الفحوصات.
- تقليل السكريات المضافة والملح والدهون المشبعة والأطعمة فائقة المعالجة.
ويوصي المعهد الوطني الأميركي للشيخوخة بتنويع مصادر البروتين والخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة ومنتجات الألبان قليلة الدسم، مع استشارة الطبيب قبل تناول المكملات الغذائية. National Institute on Aging
ثانيًا: شرب الماء بانتظام

قد يقل الإحساس بالعطش لدى بعض الأشخاص مع التقدم في العمر، ما يزيد احتمالات الإصابة بالجفاف، خاصة خلال الطقس الحار أو عند تناول بعض الأدوية.
لذلك يُفضّل توزيع شرب الماء والسوائل على مدار اليوم، وعدم انتظار الشعور الشديد بالعطش. ولا توجد كمية واحدة مناسبة للجميع؛ إذ تختلف الاحتياجات وفق الوزن والنشاط والطقس والحالة الصحية.
ويجب على مرضى القلب أو الكلى أو الكبد الالتزام بكمية السوائل التي يحددها الطبيب، وعدم اتباع توصية عامة مثل شرب لتر ونصف يوميًا من دون مراعاة حالتهم الصحية.
ثالثًا: الحركة للحفاظ على الاستقلالية
يساعد النشاط البدني المنتظم على تقوية القلب والعضلات والعظام، وتحسين التوازن والمزاج والنوم، وتقليل مخاطر السقوط وفقدان القدرة على الحركة.
وتوصي منظمة الصحة العالمية كبار السن بممارسة ما بين 150 و300 دقيقة أسبوعيًا من النشاط البدني المتوسط، أو ما بين 75 و150 دقيقة من النشاط القوي، وفق القدرة والحالة الصحية.
كما توصي بممارسة تدريبات تقوية العضلات يومين أسبوعيًا على الأقل، وإضافة تمارين التوازن والقوة الوظيفية ثلاثة أيام أو أكثر، خصوصًا لمن يعانون ضعف الحركة أو ارتفاع احتمالات السقوط.
وتشمل الأنشطة المناسبة:
- المشي بوتيرة معتدلة أو سريعة.
- السباحة أو ركوب الدراجة الخفيفة.
- استخدام الأوزان الخفيفة أو الأربطة المطاطية.
- تمارين وزن الجسم المناسبة للقدرة البدنية.
- تمارين التوازن والتمدد واليوغا الخفيفة.
ولا ينبغي أن يمنع عدم القدرة على بلوغ المعدل الموصى به من الحركة؛ فممارسة نشاط بسيط أفضل من الخمول، على أن تبدأ التمارين تدريجيًا وبعد استشارة الطبيب عند وجود أمراض مزمنة أو آلام مفصلية أو مشكلات في القلب والتوازن.
رابعًا: حماية الذاكرة والصحة النفسية

لا تقتصر الشيخوخة الصحية على سلامة الجسم، بل تشمل أيضًا الحفاظ على النشاط الذهني والتوازن النفسي والعلاقات الاجتماعية.
ويمكن تحفيز الدماغ من خلال القراءة والكتابة وتعلم مهارات أو لغات جديدة، وحل الألغاز، وممارسة الألعاب التي تتطلب التفكير والتركيز.
وتساعد العلاقات الاجتماعية والزيارات المنتظمة والمشاركة في الأنشطة الجماعية أو التطوعية على مواجهة الوحدة والعزلة، اللتين قد تؤثران سلبًا في المزاج والصحة العامة.
كما يمكن لممارسة التأمل وتمارين التنفس وقضاء الوقت في الطبيعة ومواصلة الهوايات المفضلة أن تساعد على إدارة التوتر والحفاظ على الشعور بالهدف والرضا.
ويُفضل استشارة الطبيب عند ظهور تغير مفاجئ أو متزايد في الذاكرة، أو ارتباك ذهني، أو فقدان الاهتمام بالأنشطة، أو أعراض مستمرة للاكتئاب والقلق.
خامسًا: الفحوصات الوقائية المنتظمة

تساعد المتابعة الطبية الدورية على اكتشاف الأمراض في مراحل مبكرة، قبل ظهور مضاعفات تؤثر في الاستقلالية وجودة الحياة.
وتختلف الفحوصات المطلوبة بحسب العمر والجنس والتاريخ العائلي والحالة الصحية، لكنها قد تشمل:
- قياس ضغط الدم ومستويات السكر والكوليسترول.
- متابعة الوزن والتغيرات المفاجئة في الشهية.
- تقييم كثافة العظام عند وجود عوامل خطورة.
- فحوصات النظر والسمع وصحة الأسنان.
- الفحوصات الموصى بها للكشف المبكر عن بعض أنواع السرطان.
- مراجعة الأدوية دوريًا لتجنب التداخلات والجرعات غير المناسبة.
كما ينبغي مراجعة جدول التطعيمات مع الطبيب، بما في ذلك لقاحات الإنفلونزا والمكورات الرئوية والهربس النطاقي وغيرها وفق العمر والحالة الصحية والإرشادات المعتمدة في بلد الإقامة. وتختلف بعض التوصيات بحسب التاريخ المرضي واللقاحات السابقة.
النوم الجيد ليس رفاهية

يحتاج معظم كبار السن إلى نحو سبع إلى تسع ساعات من النوم يوميًا، رغم أن بعضهم قد يواجه صعوبة في النوم المتواصل أو الاستيقاظ مبكرًا.
ويساعد تثبيت مواعيد النوم والاستيقاظ، وتقليل الكافيين مساءً، وتجنب الوجبات الثقيلة قبل النوم، والحفاظ على نشاط بدني منتظم خلال النهار، على تحسين جودة النوم.
أما الشخير الشديد أو انقطاع التنفس أثناء النوم أو الأرق المستمر أو النعاس المفرط نهارًا، فتستدعي استشارة الطبيب بدلًا من استخدام الأدوية المنومة من دون إشراف.
التدخين والكحول والتعرض للشمس

يظل الإقلاع عن التدخين مفيدًا في أي عمر، ويساعد على تقليل مخاطر أمراض القلب والرئة والسكتات الدماغية.
أما الكحول فقد يتداخل مع بعض الأدوية ويزيد خطر السقوط واضطرابات النوم؛ لذلك يُنصح بتجنبه أو مناقشة استهلاكه مع الطبيب.
ويفيد قضاء بعض الوقت في الهواء الطلق للحركة وتحسين المزاج، لكن التعرض للشمس لا ينبغي أن يكون بديلًا عن فحص مستوى فيتامين «د» أو العلاج الذي يصفه الطبيب، مع ضرورة حماية الجلد من التعرض المفرط للأشعة.
خطوات صغيرة تصنع فارقًا كبيرًا
الحفاظ على الصحة بعد الستين لا يحتاج إلى تغييرات قاسية أو برامج معقدة، بل إلى عادات بسيطة ومستدامة: وجبة متوازنة، ومشي يومي، وتمارين قوة منتظمة، ونوم كافٍ، وتواصل اجتماعي، ومتابعة طبية واعية.
فكل خطوة صغيرة تُمارس باستمرار تصبح استثمارًا في الحركة والاستقلالية وصفاء الذهن وجودة الحياة خلال السنوات المقبلة.
تنبيه: المعلومات الواردة للتوعية العامة، ولا تُغني عن استشارة الطبيب أو اختصاصي التغذية، خصوصًا في حالات الأمراض المزمنة أو تناول أدوية متعددة.
اقرأ أيضا:
نصائح مهمة للغاية تقدمها الجمهورية والعالم للعناية بصحتك خلال عملية الشيخوخة