عضوة المجلس البلدي بمدينة ميلانو لـ«الجمهورية والعالم»: الاندماج لا يعني التخلي عن الهوية

0 98

حاورتها بالإيطالية: سارة عبدالله
إعداد وتحرير: نجاة أبوقورة 

في مدينة ميلانو، التي تحولت خلال العقود الأخيرة إلى واحدة من أكثر المدن الأوروبية تنوعًا ثقافيًا، لم يعد الحديث عن الهجرة مجرد أرقام وإحصاءات، بل أصبح حديثًا عن قصص إنسانية وتجارب حياة ومسارات اندماج تشكل جزءًا من مستقبل المجتمع الإيطالي.

وسط هذا المشهد المتعدد الثقافات، تلعب اللغة دورًا يتجاوز كونها وسيلة للتواصل، لتصبح جسرًا للاندماج وبوابة لفهم المجتمع الجديد والمشاركة الفاعلة فيه. ومن هنا جاء لقاء «الجمهورية والعالم» مع مارزيا بونتوني، عضوة المجلس البلدي بمدينة ميلانو ورئيسة لجنة التعليم وسياسات الغذاء، وإحدى الشخصيات المعروفة باهتمامها بقضايا التعليم والاندماج والعمل الاجتماعي.

في هذا الحوار الخاص، تتحدث بونتوني عن تجربتها في تعليم اللغة الإيطالية للمهاجرين، ورؤيتها للتعدد الثقافي، ودور المؤسسات التعليمية في بناء جسور التواصل بين المجتمعات المختلفة، كما تتوقف عند تجربتها مع مدرسة نجيب محفوظ العربية بميلانو، وتكشف كيف يمكن للاندماج أن يسير جنبًا إلى جنب مع الحفاظ على الهوية الثقافية.

س: تهتمين بتدريس اللغة الإيطالية للمهاجرين والوافدين إلى إيطاليا، خاصة في مدينة ميلانو.. ما الهدف من ذلك؟

ج: عندما يقرر شخص الهجرة إلى إيطاليا للعمل أو الدراسة أو الاستقرار، يصبح من الضروري أن يتعلم لغة البلد الذي سيعيش فيه. فاللغة ليست مجرد أداة للتواصل اليومي، بل هي مفتاح لفهم المجتمع وثقافته وعاداته وتقاليده. كيف يمكن لشخص أن يندمج أو يبني مستقبله في مجتمع لا يفهم لغته؟

إن تعلم اللغة الإيطالية يمثل الخطوة الأولى نحو الاندماج الحقيقي، ويساعد المهاجر على التفاعل مع المجتمع وفهم طريقة التفكير والحياة في البلد الذي اختار أن يكون جزءًا منه.

 

نجاة ابو قورة مع سارة عبدالله ومارزيا بونتوني

س: تولون اهتمامًا خاصًا بالمهاجرين من خلال برامج الدعم والاندماج.. كيف تنظرين إلى هذه المبادرات؟

ج: الاندماج لا يتحقق بالمساعدات المادية فقط، بل يحتاج إلى الاستثمار في الإنسان وقدراته ومواهبه. لذلك نحرص على تشجيع الأشخاص على التعبير عن أنفسهم من خلال الفنون والموسيقى والأنشطة الثقافية المختلفة.

ومن خلال تجربتي في العمل التطوعي مع جماعة “سانت إيجيديو”، تعلمت أن الاستماع إلى الناس وفهم احتياجاتهم هو الخطوة الأولى لمساعدتهم على بناء مستقبل أفضل وأكثر استقرارًا.

س: شاركتِ في الاحتفال بمرور عشرين عامًا على تأسيس مدرسة نجيب محفوظ العربية في ميلانو.. كيف تقيمين هذه التجربة؟

ج: أتابع المدرسة منذ سنوات طويلة، وكنت شاهدة على تطورها المستمر. وأرى أنها تمثل نموذجًا ناجحًا للتوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية والاندماج في المجتمع الإيطالي.

فالطفل الذي يتعلم لغة أسرته وثقافتها إلى جانب لغة المجتمع الذي يعيش فيه، يمتلك فرصًا أكبر للاندماج الإيجابي دون أن يفقد جذوره أو انتماءه الثقافي.

س: كيف تنظرين إلى مفهوم التعدد الثقافي في المجتمع الإيطالي؟

ج: أؤمن بأن التعدد الثقافي ليس مشكلة أو تحديًا، بل فرصة حقيقية للنمو والتطور. وجود ثقافات متعددة داخل المجتمع يخلق مساحة للحوار والتفاهم وتبادل الخبرات.

المجتمعات التي تتعرف على بعضها البعض بشكل أفضل تصبح أكثر قدرة على التعايش وأكثر قوة في مواجهة التحديات.

وقد أسعدني أن أتعرف على صحيفة «الجمهورية والعالم» الناطقة بالعربية، لأنها تمثل وسيلة مهمة للتواصل مع الجاليات العربية بلغتها الأم، وتسهم في نقل قضاياها وهمومها وتعزيز شعورها بالانتماء.

س: هل تتضمن برامجكم أنشطة للتعريف بثقافات الدارسين المختلفة؟

ج: بالتأكيد. نحن لا نُدرّس اللغة بمعزل عن الثقافة. لذلك نشجع الدارسين على تقديم جوانب من تراثهم وثقافتهم من خلال الأنشطة الفنية والمعارض والفعاليات الثقافية.

إن التعرف على ثقافة الآخر واحترامها يمثلان جزءًا أساسيًا من عملية الاندماج الناجحة.

 

س: كم يبلغ عدد الدارسين والفئات العمرية المستهدفة؟

ج: يشارك في الدورات نحو 40 طالبًا وطالبة موزعين على مستويين. المستوى الأول للمبتدئين، والثاني للذين اجتازوا المرحلة الأولى بنجاح بعد اختبارات شفهية وكتابية.

وتتراوح أعمار معظم الدارسين بين 19 و20 عامًا، فيما تمتد الدورات التعليمية من أكتوبر حتى يونيو من كل عام.

س: من الأكثر إقبالًا على تعلم اللغة.. الرجال أم النساء؟

ج: من واقع تجربتي، أجد أن النساء أكثر إقبالًا على الدراسة. فالكثير منهن يشعرن بحاجة أكبر إلى تعلم اللغة للتواصل مع المدارس والمؤسسات المختلفة ومساعدة أبنائهن في حياتهم اليومية.

كما أن تعلم اللغة يمنح المرأة استقلالية أكبر وقدرة أفضل على الاندماج في المجتمع.

س: ما أكثر سؤال أثار دهشتك خلال عملك مع المهاجرين؟

ج: سألني أحد الأشخاص ذات مرة: لماذا تخصصين يوم الأحد، وهو يوم عطلتك، لتعليم اللغة الإيطالية للأجانب بدلًا من قضاء الوقت مع عائلتك؟

أدهشني السؤال، لكن إجابتي كانت بسيطة: لأنني أؤمن بأن الاندماج ليس مجرد سياسة عامة، بل مسؤولية إنسانية. وأشعر بأن مساعدة الأشخاص على بناء مستقبلهم في بلد جديد هي جزء من واجبي تجاه المجتمع.

رسالة من ميلانو إلى العالم

في ختام الحوار، أكدت مارزيا بونتوني أن الاندماج الحقيقي لا يعني التخلي عن الهوية أو الخصوصية الثقافية، بل يقوم على التوازن بين الحفاظ على الجذور والانفتاح على المجتمع الجديد.

وأضافت أن بناء مجتمعات أكثر تماسكًا يبدأ بالحوار والاحترام المتبادل والمعرفة، مشددة على أن التنوع الثقافي سيظل أحد أهم عناصر القوة في المجتمعات الحديثة عندما يُدار بروح من التعاون والتفاهم.

الاندماج لا يعني أن تصبح نسخة من الآخر، بل أن تشارك معه في بناء مستقبل مشترك.”

Visited 17 times, 17 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق