شهدت قمة مجموعة السبع التي استضافتها مدينة إيفيان ليه بان الفرنسية تحولات سياسية ودبلوماسية لافتة، انتهت بإعلان اتفاق أمريكي إيراني طال انتظاره، وسط أجواء من التوافق النسبي بين قادة الاقتصادات الكبرى.
وبينما تصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المشهد باعتباره المستفيد الأكبر من نتائج القمة، نجح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تحقيق اختراق دبلوماسي مهم عبر إدارة واحدة من أكثر القمم تعقيدًا في السنوات الأخيرة.
القمة التي انعقدت وسط ملفات ساخنة تتعلق بأوكرانيا والشرق الأوسط والتجارة العالمية والذكاء الاصطناعي، تحولت إلى منصة لإعادة ترتيب أولويات التحالفات الغربية، في وقت تتزايد فيه التحديات الجيوسياسية والاقتصادية على الساحة الدولية.
ترامب يقطف ثمار الاتفاق مع إيران
دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليوم الختامي للقمة وهو يحمل ورقة سياسية مهمة تمثلت في الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، وهو الملف الذي استحوذ على اهتمام المجتمع الدولي خلال الأشهر الأخيرة.

ورغم استمرار بعض التفاصيل الفنية المتعلقة بالاتفاق، فإن ترامب قدم نفسه باعتباره صاحب الإنجاز السياسي الأبرز، مؤكداً أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الاستقرار الإقليمي وضمان أمن الملاحة الدولية، خاصة في منطقة الخليج ومضيق هرمز.
كما استغل الرئيس الأمريكي القمة لتأكيد حضوره على الساحة الدولية، في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة داخل الولايات المتحدة.
ماكرون.. مهندس التوافق الغربي
في المقابل، اعتبر مراقبون أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خرج هو الآخر بمكاسب سياسية مهمة، بعدما نجح في إدارة قمة اتسمت بدرجة عالية من التنسيق بين الدول الأعضاء، رغم التباينات التي كانت تهدد بتعطيل التوافق حول عدد من الملفات.

وتمكنت باريس من جمع القادة حول مواقف مشتركة تتعلق بالحرب في أوكرانيا، والاستقرار في الشرق الأوسط، وسلاسل الإمداد العالمية، والتعاون في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهو ما أعاد إلى الواجهة الحديث عن وحدة الموقف الغربي في مواجهة التحديات الدولية.
ميلوني تحافظ على توازن العلاقات
على الجانب الإيطالي، بدت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أكثر ارتياحًا لنتائج القمة، بعد فترة من الفتور النسبي في العلاقات مع الإدارة الأمريكية.

وشهدت القمة لقاءات مباشرة بين ميلوني وترامب، ساهمت في تخفيف حدة التوترات السابقة وإعادة قنوات التواصل السياسي بين روما وواشنطن، بما يسمح لإيطاليا بالحفاظ على موقعها كشريك مؤثر داخل المنظومة الغربية.
أوكرانيا تعود إلى صدارة الاهتمام
أحد أبرز مخرجات القمة تمثل في تجديد الدعم الغربي لأوكرانيا، حيث أكد قادة مجموعة السبع استمرار مساندة كييف في مواجهة الحرب مع روسيا.
ورحب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالبيان الختامي للقمة، معتبراً أنه يعكس وحدة الموقف الغربي تجاه موسكو، لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة ترجمة التعهدات السياسية إلى خطوات عملية على الأرض.
إسرائيل تترقب تداعيات الاتفاق
في الشرق الأوسط، أثار الاتفاق الأمريكي الإيراني مخاوف داخل إسرائيل، التي تخشى أن يؤدي التقارب بين واشنطن وطهران إلى تقليص الضغوط المفروضة على البرنامج النووي الإيراني.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو تنظر بحذر إلى التطورات الأخيرة، خاصة في ظل استمرار التوترات الأمنية على أكثر من جبهة إقليمية.
كما برزت مخاوف من أن تؤثر الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل على فرص تثبيت التهدئة الإقليمية خلال الفترة المقبلة.
أوروبا تتنفس الصعداء
بالنسبة للاتحاد الأوروبي، شكلت القمة فرصة لتخفيف حدة التوترات التي سادت العلاقات عبر الأطلسي خلال الأشهر الماضية.
ووجدت بروكسل نفسها أمام مشهد أكثر استقرارًا مقارنة بالتوقعات السابقة، خاصة بعد نجاح القادة في تجاوز الخلافات المتعلقة بالتجارة العالمية والطاقة والأمن الدولي.
الصين.. اللاعب الغائب الحاضر
ورغم أن الصين لم تكن طرفًا مباشرًا في اجتماعات مجموعة السبع، فإنها حضرت بقوة في معظم النقاشات المتعلقة بالاقتصاد العالمي والتجارة والتكنولوجيا.
ويرى محللون أن بكين أصبحت التحدي الاستراتيجي الأكبر أمام القوى الغربية، في ظل تنامي نفوذها الاقتصادي والصناعي واتساع حضورها في الأسواق العالمية.
وبينما خرج ترامب وماكرون بمكاسب سياسية واضحة من قمة إيفيان، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح التفاهمات التي وُلدت على ضفاف بحيرة جنيف في الصمود أمام اختبار الأزمات الدولية المقبلة، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة في عالم يزداد اضطرابًا؟