السكتة الدماغية لا تحدث عادة بشكل مفاجئ، بل تكون نتيجة سنوات من التغيرات الصامتة داخل الأوعية الدموية.
هذا ما تؤكده دراسات علمية حديثة، تشير إلى أن تحليلًا بسيطًا للدم، مدعومًا بخوارزميات الذكاء الاصطناعي، قد ينجح مستقبلاً في رصد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالسكتة الدماغية قبل ظهور أي أعراض بما يصل إلى 10 أو 15 عامًا.
ويعتمد هذا التوجه الجديد على تحليل مجموعة من المؤشرات الحيوية التي تعكس صحة الأوعية الدموية والتمثيل الغذائي، بهدف التدخل المبكر والحد من خطر الإصابة.
ثلاثة مؤشرات تكشف الخطر مبكرًا
توصل الباحثون إلى أن ثلاثة مؤشرات رئيسية تلعب دورًا مهمًا في تقييم احتمالات الإصابة بالسكتة الدماغية، وهي:
- الالتهاب المزمن منخفض الدرجة، ويُقاس بواسطة بروتين C التفاعلي عالي الحساسية (hs-CRP).
- تركيبة الدهون في الدم، وخاصة ارتفاع البروتين الدهني Lp(a)، الذي يرتبط بزيادة خطر تصلب الشرايين وتكوين الجلطات.
- مقاومة الإنسولين، والتي يمكن تقديرها من خلال مؤشر TyG المعتمد على مستويات الجلوكوز والدهون الثلاثية فيالدم.
ويؤكد الباحثون أن الجمع بين هذه المؤشرات يمنح صورة أكثر دقة لمستوى الخطر مقارنة بدراسة كل مؤشر بشكل منفرد.
لماذا لا تحدث السكتة الدماغية فجأة؟
رغم أن السكتة الدماغية تبدو حدثًا مفاجئًا، فإنها غالبًا ما تكون نتيجة تغيرات تتطور ببطء داخل الشرايين على مدار سنوات، مثلا لالتهابات المزمنة، وتراكم اللويحات الدهنية، واضطرابات التمثيل الغذائي.
وتظل هذه التغيرات غير ملحوظة في كثير من الأحيان خلال الفحوصات الطبية التقليدية، حتى يحدث الانسداد أو النزيف الذي يؤدي إلى السكتة الدماغية.
الالتهاب الصامت.. الخطر غير المرئي
يُعد الالتهاب المزمن أحد أهم العوامل التي تسرّع تلف جدران الأوعية الدموية.
ويستخدم الأطباء بروتين hs-CRP كمؤشر لقياس هذا النوع من الالتهابات، حيث أظهرت دراسات عديدة أن ارتفاع مستواه يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية، حتى لدى الأشخاص الذين لا يعانون من ارتفاع الكوليسترول.
ويعتقد الباحثون أن الالتهاب يجعل اللويحات الدهنية داخل الشرايين أكثر هشاشة، ما يزيد احتمالات تمزقها وتكوين الجلطات.
Lp(a).. عامل خطر لا يظهر في التحاليل المعتادة
إلى جانب الكوليسترول الضار (LDL)، يلفت العلماء الانتباه إلى البروتين الدهني Lp(a)، الذي تحدده العوامل الوراثية بدرجةكبيرة.
وترتبط المستويات المرتفعة منه بزيادة خطر الإصابة بتصلب الشرايين والجلطات، إلا أنه لا يُقاس عادة ضمن الفحوصات الدورية،رغم أن بعض الدراسات تشير إلى أهمية تقييمه لدى الأشخاص المعرضين لخطر أمراض القلب والأوعية الدموية.
مقاومة الإنسولين تسبق السكري
تشير الأبحاث أيضًا إلى أن اضطراب استجابة الجسم للإنسولين قد يبدأ قبل سنوات من تشخيص مرض السكري.
ويستخدم العلماء مؤشر TyG، الذي يعتمد على مستوى السكر الصائم والدهون الثلاثية، للكشف عن هذه الحالة.
وأظهرت دراسات طويلة الأمد أن ارتفاع هذا المؤشر يرتبط بزيادة ملحوظة في خطر الإصابة بالسكتة الدماغية، خاصة السكتة الإقفارية الناتجة عن انسداد الشرايين.
كيف يساعد الذكاء الاصطناعي؟
تكمن أهمية الذكاء الاصطناعي في قدرته على تحليل آلاف البيانات البيولوجية في وقت واحد، واكتشاف أنماط معقدة لا يمكن ملاحظتها بالطرق التقليدية.
وقد نجحت نماذج طورتها مراكز بحثية باستخدام قواعد بيانات ضخمة في تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية قبل سنوات طويلة من ظهور الأعراض.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه التقنيات لا تزال في مرحلة البحث والتقييم، ولم تصبح بعد جزءًا من الممارسات الطبية اليومية.
الوقاية لا تزال الخيار الأفضل
ورغم التقدم في وسائل التشخيص، يشدد الخبراء على أن الوقاية تبقى الوسيلة الأكثر فاعلية لتقليل خطر الإصابة بالسكتة الدماغية،وذلك من خلال:
- الحفاظ على ضغط الدم ضمن المعدلات الطبيعية.
- اتباع نظام غذائي صحي غني بالخضروات والألياف وقليل الدهون المشبعة.
- ممارسة النشاط البدني بانتظام.
- الإقلاع عن التدخين.
- الحد من استهلاك الكحول.
- التحكم في مستويات السكر والكوليسترول.
متى يجب استشارة الطبيب؟
ينصح الأطباء الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي للإصابة بالسكتة الدماغية أو أمراض القلب، أو يعانون من ارتفاع ضغط الدم أوالسكري أو اضطرابات الدهون، بمراجعة الطبيب لتحديد الفحوصات المناسبة لحالتهم.
ويؤكد المختصون أن تفسير هذه المؤشرات يجب أن يتم في إطار التقييم الطبي الشامل، ولا ينبغي الاعتماد على نتائج التحاليل بصورة منفردة أو إجراء اختبارات ذاتية لاتخاذ قرارات علاجية.
مستقبل الوقاية
يرى الباحثون أن التطور المتسارع في تقنيات تحليل الدم والذكاء الاصطناعي قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الطب الوقائي،تسمح باكتشاف الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالسكتة الدماغية في وقت مبكر، ما يمنح الأطباء فرصة أكبر للتدخل قبل حدوث المضاعفات.
ومع ذلك، تبقى هذه التقنيات مكملة للعادات الصحية، وليست بديلًا عنها، في انتظار اعتمادها بشكل أوسع بعد استكمال الدراسات السريرية اللازمة.
اقرأ أيضا:
دراسة عالمية تكشف: 4 عوامل خطر تقف وراء معظم النوبات القلبية والسكتات الدماغية