سجون إيطاليا تتحول إلى بؤر للتطرف بين الشباب المسلمين

0 9

ميلانو: نجاة آبو قورة 

تواجه إيطاليا تصاعدًا مقلقًا في مخاطر التطرف داخل السجون، خصوصًا في مؤسسات احتجاز القُصّر، وسط تحذيرات أمنية من تحوّل بعض السجون إلى بيئات خصبة للتلقين الجهادي واستقطاب الشباب الغاضب والمعزول اجتماعيًا.

وتكشف تقارير أمنية وإحصاءات رسمية عن تزايد أعداد السجناء المسلمين داخل المؤسسات العقابية الإيطالية، بالتزامن مع ارتفاع المخاوف من انتشار خطاب متشدد يستغل الأزمات الاجتماعية والنفسية للمراهقين والشباب، بعيدًا عن الخطاب الديني التقليدي المعروف في السابق.

التطرف داخل السجون يتجاوز المساجد

بحسب خبراء في مكافحة التطرف، لم تعد المساجد أو المراكز الدينية هي الساحة الرئيسية لتجنيد المتشددين، بل أصبحت بعض السجون، خاصة سجون الأحداث، أكثر تأثيرًا في تشكيل الفكر الجهادي لدى الشباب.

وفي سجن «بيكاريا» للأحداث بمدينة ميلانو، تشير التقديرات إلى أن نحو 70% من النزلاء من المسلمين، وهي نسبة يراها مراقبون مرتفعة بشكل لافت مقارنة بالتركيبة السكانية العامة في البلاد.

ويضم السجن مراهقين من أبناء الجيل الثاني للمهاجرين، تورط كثير منهم في قضايا السرقة والعنف وتجارة المخدرات، وسط شعور متزايد بالعزلة والغضب تجاه المجتمع الغربي، ما يجعل بعضهم أكثر عرضة للتأثر بالأفكار المتطرفة.

جهادية جديدة أقل دينية وأكثر عنفًا

وترى الباحثة الإيطالية إليترا سانتوري، المتخصصة في قضايا التطرف بمؤسسة الثقافة الاستخباراتية والتحليل الاستراتيجي، أن الظاهرة الحالية تختلف عن موجات التطرف السابقة.

ففي الماضي، كان الفكر الجهادي يعتمد بشكل أكبر على التفسير الديني والنصوص العقائدية، بينما أصبح التطرف اليوم أكثر سطحية وأقل ارتباطًا بالمعرفة الدينية الحقيقية.

وتوضح سانتوري أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في نشر محتوى جهادي مبسط ومجزأ، يقوم على مشاهد العنف والانتقام والشعارات العدائية، أكثر من اعتماده على الخطاب العقائدي التقليدي.

وأضافت أن كثيرًا من الشباب المتطرفين لا يمتلكون فهمًا عميقًا للدين، بل يتبنون خطابًا يقوم على الغضب والرغبة في الانتقام من المجتمع.

السجون.. بيئة مثالية للاستقطاب

وتشير تقارير أمنية إلى أن عملية التطرف داخل السجون غالبًا ما تبدأ عندما يتأثر السجين الشاب بشخصية أكثر تشددًا وخبرة داخل المؤسسة العقابية.

وفي ظل الأوضاع النفسية الهشة لبعض المراهقين، يصبح تبني الأفكار المتشددة وسيلة لإيجاد هوية أو شعور بالقوة والانتماء.

ويرى مختصون أن هذا النوع من التطرف، رغم سطحية خلفيته الفكرية أحيانًا، يبقى شديد الخطورة بسبب ارتباطه بالعنف والرغبة في التمرد.

أرقام مقلقة داخل السجون الإيطالية

لا تقتصر المخاوف على سجون الأحداث فقط، إذ تشير بيانات وزارة العدل الإيطالية إلى أن المسلمين يمثلون نحو 16% من إجمالي السجناء في البلاد.

وخلال عام 2025، سجلت السلطات الإيطالية 37 حالة تحول ديني داخل السجون، بينما تصنف الأجهزة الأمنية 194 سجينًا مسلمًا باعتبارهم معرضين لخطر التطرف.

ومن بين هؤلاء، تعتبر السلطات 65 شخصًا «خطرين» بسبب احتمالات تنفيذ أعمال إرهابية أو عنيفة بعد الإفراج عنهم.

كما تشير البيانات إلى وجود 61 سجينًا أظهروا ميولًا أو انتماءات مرتبطة بحركات إسلامية متشددة.

مناطق أمنية مشددة وإجراءات مراقبة

يوجد نحو 50 سجينًا مسلمًا متهمين بقضايا تتعلق بالإرهاب الدولي داخل سجون شديدة الحراسة في مناطق روسانو وساساري ونوورو. بحسب الصحيفة الايطالية.

وبحسب أحدث تقارير وزارة العدل، يبلغ عدد السجناء القادمين من دول ذات أغلبية مسلمة نحو 13,814 سجينًا من أصل أكثر من 63 ألف نزيل في السجون الإيطالية.

وترى الأجهزة الأمنية أن هذه الأرقام تفرض تحديات متزايدة على الدولة الإيطالية في ما يتعلق ببرامج المراقبة وإعادة التأهيل ومنع التطرف.

دور الأئمة المعتدلين في مواجهة التشدد

في مواجهة هذه الظاهرة، تحاول السلطات الإيطالية الاعتماد على أئمة وشخصيات دينية معتدلة للعمل داخل السجون.

ويبلغ عدد الأئمة العاملين في المؤسسات العقابية الإيطالية نحو 36 شخصًا، بعضهم يعمل بالتعاون مع الكنيسة الكاثوليكية والسلطات القضائية بهدف تقديم خطاب ديني معتدل يواجه الكراهية ويحد من انتشار الفكر المتشدد.

ويؤكد مسؤولون أن الهدف ليس فرض رقابة دينية، بل منع استغلال الفراغ النفسي والاجتماعي داخل السجون من قبل متطرفين يسعون لتجنيد الشباب.

تحدٍ أمني واجتماعي متصاعد

تكشف التطورات داخل السجون الإيطالية عن أزمة تتجاوز البعد الأمني التقليدي، لتلامس قضايا الاندماج الاجتماعي والهوية والتهميش داخل المجتمعات الأوروبية.

ويرى مراقبون أن مواجهة التطرف لن تنجح فقط عبر الإجراءات الأمنية، بل تحتاج أيضًا إلى سياسات اجتماعية وتعليمية أكثر فاعلية لمنع تحول الغضب والعزلة داخل السجون إلى وقود لأفكار العنف والتشدد.

المصدر: الصحيفة الايطالية

اقرأ أيضاً:
صلاة العيد في الشوارع تشعل الجدل في إيطاليا.. بين دعم البلديات واعتراض السياسيين 

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق