قرار أوروبي بشأن «الاختراق الإسلاموي» يفتح مواجهة سياسية مع اليسار الإيطالي
ايطاليا : د/ مروة غنيم
أثار تصويت البرلمان الأوروبي على استراتيجية لمواجهة ما وصفه بـ«الاختراق الإسلاموي» ونفوذ الشبكات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين جدلًا سياسيًا واسعًا في إيطاليا، بعد اصطفاف غالبية نواب اليسار ضد القرار، مقابل تأييده من قوى الوسط واليمين.
واعتمد البرلمان الأوروبي القرار يوم 8 أكتوبر 2026، وليس 8 سبتمبر، بأغلبية 381 صوتًا مقابل 167، مع امتناع 15 نائبًا عن التصويت. ودعمت الوثيقة كتل حزب الشعب الأوروبي والمحافظين والإصلاحيين واليمين السيادي، إلى جانب غالبية نواب مجموعة «تجديد أوروبا»، بينما عارضتها المجموعات الاشتراكية والخضر واليسار. ansa.it
ماذا يتضمن القرار الأوروبي؟
يدعو القرار، وهو وثيقة سياسية غير ملزمة، إلى إعداد استراتيجية أوروبية مشتركة لمواجهة محاولات التنظيمات المتطرفة التأثير في المؤسسات والمجتمعات من خلال الجمعيات والشبكات المالية والمنصات السياسية والدينية.
كما يطالب الدول الأعضاء بتوفير المعلومات اللازمة لتقييم أنشطة الأفراد والكيانات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، ودراسة إدراج من يستوفي الشروط القانونية منها على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية.
ويشمل القرار دعوة المفوضية الأوروبية إلى مراجعة التمويلات التي حصلت عليها جمعيات أو مشروعات يُشتبه في ارتباطها بشبكات الإسلام السياسي، وتعزيز الشفافية بشأن الجهات المستفيدة النهائية من الأموال الأوروبية.
ولا يصنّف القرار جماعة أو مؤسسة بعينها إرهابية بصورة تلقائية، إذ يتطلب اتخاذ مثل هذا الإجراء تقييمًا قانونيًا وقرارات منفصلة من المؤسسات والدول المختصة داخل الاتحاد الأوروبي.
فصل بين الإسلام والتطرف السياسي
حرصت الصياغة النهائية للوثيقة على التمييز بين المسلمين وممارسة الإسلام بوصفه دينًا من جهة، وبين توظيف الدين في مشروعات سياسية متطرفة أو معادية للديمقراطية من جهة أخرى.
كما أُدخل تعديل يوسّع نطاق الإدانة ليشمل «الاختراق الديني، وبصورة خاصة الاختراق الإسلاموي»، مع التأكيد على حماية الحقوق الأساسية والمساواة بين المواطنين، ومواجهة أي توجهات تستهدف تقويض حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين وحقوق الأقليات.
ويُعد هذا التمييز أساسيًا لمنع تحول مكافحة التطرف إلى اشتباه جماعي في المواطنين المسلمين أو تقييد لحرية الاعتقاد والعمل المدني المشروع.
اليسار الإيطالي يصوت ضد القرار
انضم نواب الحزب الديمقراطي وحركة «خمس نجوم» وتحالف الخضر واليسار إلى غالبية الاشتراكيين والخضر واليساريين الأوروبيين في التصويت ضد الوثيقة.
وأثار هذا الموقف انتقادات من قوى اليمين الإيطالي، التي اتهمت الأحزاب التقدمية بالتقليل من خطورة الشبكات الإسلاموية ورفض إجراءات تستهدف مراقبة التمويل الأجنبي وحماية المؤسسات من محاولات التأثير المنظم.
في المقابل، يرى معارضو القرار أن مفهوم «الاختراق الإسلاموي» فضفاض، وقد يؤدي استخدامه من دون تعريفات قانونية دقيقة إلى وضع الأنشطة المدنية للمسلمين تحت الاشتباه، أو الخلط بين العمل الديني المشروع والتطرف السياسي.
وبحسب تحليل التصويت، رفضت مجموعات اليسار المشاركة في التفاوض على مشروع حزب الشعب الأوروبي، معتبرة أن بعض صياغاته قد تستخدم لتعميم الشبهات على منظمات إسلامية لا تمارس العنف ولا تخالف القانون.
تناقض مع خطاب الحقوق والحريات؟
يرى منتقدو موقف اليسار أن التصويت ضد القرار يبدو متناقضًا مع دفاع الأحزاب التقدمية عن حقوق النساء والمساواة والحريات الفردية، في ظل وجود تيارات دينية متشددة تتبنى مواقف مناهضة لهذه المبادئ.
ويطرح هؤلاء تساؤلات بشأن أسباب رفض مراقبة شبكات التمويل والواجهات التنظيمية، أو تطوير آلية أوروبية مشتركة للكشف عن محاولات التأثير في المؤسسات، خصوصًا أن الوثيقة تشترط توافر المعايير القانونية قبل فرض أي عقوبات أو تصنيفات.
لكن معارضة القرار لا تعني بالضرورة تأييد جماعة الإخوان المسلمين أو التنظيمات المتطرفة، كما يحاول بعض الخطاب السياسي الإيحاء. فقد يرتبط الموقف بتحفظات قانونية وحقوقية، أو برفض صياغة القرار، أو بالخلاف التقليدي بين الكتل الأوروبية حول العلاقة بين الأمن والحريات العامة.
حسابات انتخابية أم مخاوف حقوقية؟
يذهب بعض المحللين إلى أن موقف اليسار قد يكون مرتبطًا أيضًا بحسابات انتخابية، في ظل ازدياد حضور المواطنين المسلمين داخل المجتمعات الأوروبية. غير أن تحويل هذا الاحتمال إلى اتهام بوجود «تحالف» بين اليسار والإسلام السياسي يحتاج إلى أدلة تتجاوز التصويت على وثيقة سياسية واحدة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن أوروبا تواجه بالفعل تحديات مرتبطة بالتطرف الديني والتمويل الأجنبي وخطاب الكراهية ومحاولات التأثير في المؤسسات، ما يفرض على الأحزاب المعارضة تقديم بدائل واضحة بدل الاكتفاء برفض مقترحات اليمين.
نقاش يتجاوز جماعة الإخوان المسلمين
لا يتعلق الخلاف فقط بكيفية التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، بل بالسؤال الأوسع حول الأدوات التي تستطيع أوروبا استخدامها لمواجهة التطرف، من دون المساس بحرية الدين أو وصم ملايين المسلمين بسبب ممارسات تنظيمات سياسية بعينها.
ومن المنتظر أن يستمر الجدل داخل إيطاليا بشأن تصويت القوى التقدمية، خصوصًا مع مطالبتها بتوضيح أسباب رفض القرار، وتقديم رؤيتها البديلة لمراقبة التمويلات المشبوهة وحماية المؤسسات، مع ضمان عدم استخدام مكافحة التطرف ذريعة للتمييز الديني أو التضييق على العمل المدني المشروع.
اقرأ أيضا:
حظر النقاب والبرقع في مدارس إيطاليا.. حماية للأمن أم معركة سياسية حول حرية المرأة؟