هل يفاوض ترامب بوتين على السلام أم يعيد رسم الغرب على حساب أوروبا؟
كتب: أحمد السيد رفعت
لم يعد الجدل بشأن سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه الحرب الأوكرانية مقتصرًا على مدى قدرته على الوفاء بتعهداته بإنهائها. فالسؤال الأكثر إلحاحًا الآن هو: هل يسعى ترامب بالفعل إلى تسوية توقف القتال، أم يعيد ترتيب علاقة واشنطن بموسكو بما يحقق مصالح أميركية مباشرة، بينما يترك أوروبا تتحمل الكلفة الأمنية والاقتصادية الأكبر؟
تمنح التطورات الأخيرة هذا السؤال أهمية إضافية. ففي الوقت الذي خففت فيه واشنطن بعض القيود المفروضة على تجارة الديزل الروسي، وصعّد ترامب انتقاداته للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أعلنت ألمانيا حزمة جديدة من المساعدات العسكرية والاقتصادية لكييف، مؤكدة أن أمن أوكرانيا يظل جزءًا من أمن القارة الأوروبية.
ولا يبدو المشهد مجرد خلاف شخصي بين ترامب وزيلينسكي؛ بل يعكس تباينًا متزايدًا داخل المعسكر الغربي بشأن طبيعة التسوية المطلوبة، ومن يضع شروطها، والطرف الذي سيدفع ثمنها في النهاية.
صفقة الديزل تفتح الباب لموسكو
في 9 أكتوبر 2026، أعلن ترامب اتفاقًا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يقضي بتوريد أكثر من 300 ألف طن من الديزل الروسي بصورة فورية إلى الولايات المتحدة والأسواق العالمية، مع شحنات إضافية خلال الأشهر التالية.
وأصدرت وزارة الخزانة الأميركية ترخيصًا مؤقتًا يسمح بالمعاملات المرتبطة ببيع الديزل الروسي وتسليمه واستيراده حتى أبريل 2027، في تراجع جزئي عن القيود التي استهدفت عائدات الطاقة الروسية.
جاءت الخطوة في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة ارتفاعًا في أسعار الوقود، وقبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في 3 نوفمبر، ما منح القرار بُعدًا داخليًا واضحًا.
لكن الصفقة أثارت انتقادات داخل الولايات المتحدة وخارجها؛ إذ رأى معارضوها أنها توفر لموسكو إيرادات إضافية، وتضعف فاعلية العقوبات الغربية من دون الحصول مسبقًا على تنازلات روسية معلنة بشأن الحرب.
كما شكك محللون في قدرة الكميات المتفق عليها على إحداث انخفاض ملموس في أسعار الديزل، بالنظر إلى حجم الاستهلاك الأميركي وظروف سوق الطاقة العالمية.
وهنا يبرز السؤال المركزي: إذا كانت التسهيلات الاقتصادية أداة لدفع روسيا إلى السلام، فما المقابل الذي التزمت موسكو بتقديمه؟ وهل ربطت واشنطن استمرارها بخطوات روسية يمكن مراقبتها والتحقق منها؟
ترامب يصعّد ضغوطه على زيلينسكي

بالتزامن مع اتفاق الديزل، وجّه ترامب انتقادات حادة إلى زيلينسكي، معتبرًا أن أوكرانيا تحتاج إلى قيادة تستطيع التوصل إلى اتفاق مع موسكو، ومحملًا الرئيس الأوكراني جانبًا من مسؤولية استمرار الحرب وارتفاع أسعار الوقود.
ويخرج هذا الموقف عن إطار الخلاف على شروط التفاوض، ليمتد إلى التشكيك في القيادة الأوكرانية نفسها. كما يثير التساؤل عما إذا كان ترامب يرى زيلينسكي عقبة حقيقية أمام السلام، أم يسعى إلى قيادة أوكرانية أكثر استعدادًا لقبول الشروط التي تقترحها واشنطن.
ورد زيلينسكي بأن اختيار رئيس البلاد حق حصري للأوكرانيين، مؤكدًا استعداده لتنظيم انتخابات إذا وافقت روسيا على وقف شامل لإطلاق النار لمدة 60 يومًا، بما يسمح بإجراء عملية انتخابية آمنة.
كما عرض الرئيس الأوكراني وقف الهجمات على مصافي النفط الروسية، شرط توقف موسكو عن استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية، في محاولة لتحويل ملف الطاقة إلى مدخل لخفض التصعيد.
هدنة طاقة غامضة
في 11 أكتوبر، أعلن ترامب عبر منصته «تروث سوشيال» التوصل إلى هدنة بين روسيا وأوكرانيا تشمل وقف الهجمات على منشآت الطاقة، وقال إن الاتفاق يدخل حيز التنفيذ فورًا.
لكن الإعلان افتقر إلى تفاصيل بشأن مدة الهدنة وآليات مراقبتها وضمانات تنفيذها. كما قال زيلينسكي إن كييف لم تُستشر مسبقًا، وإنها علمت بالمبادرة عبر وسائل الإعلام.
وبعد ساعات من الإعلان، اتهمت أوكرانيا روسيا بمواصلة استهداف منشآت للطاقة والغاز، بينما اكتفى الكرملين بالحديث عن استمرار المناقشات، من دون تأكيد وجود اتفاق مكتمل بالشروط التي أعلنها ترامب.
وتكشف هذه التطورات الفارق بين إعلان سياسي عن هدنة وبين اتفاق عملي قابل للتنفيذ. فنجاح أي وقف جزئي لإطلاق النار يتطلب موافقة واضحة من الطرفين، وآليات للرصد والمحاسبة، وتحديدًا دقيقًا للمنشآت التي يشملها الاتفاق.
ألمانيا تتحرك في الاتجاه المقابل

في مقابل الانفتاح الأميركي على موسكو، واصلت ألمانيا تعزيز دعمها لأوكرانيا. وخلال زيارته إلى كييف في 4 أكتوبر، أعلن المستشار فريدريش ميرتس تقديم مليار يورو إضافية من المساعدات العسكرية، إلى جانب 350 مليون يورو لإصلاح وإعادة بناء منشآت الطاقة المتضررة.
وتشمل المساعدات أسلحة بعيدة المدى وطائرات مسيّرة وتقنيات للأقمار الاصطناعية، فضلًا عن توسيع التعاون في مجال الإنتاج الدفاعي بين برلين وكييف. .
يعكس الموقف الألماني رؤية مختلفة للأزمة؛ فبينما يتحرك ترامب تحت ضغط أسعار الطاقة والانتخابات والحسابات الاقتصادية الأميركية، تنظر برلين إلى الحرب باعتبارها تهديدًا مباشرًا للأمن الأوروبي.
وترى ألمانيا أن منح روسيا مكاسب اقتصادية أو سياسية قبل تقديم تنازلات حقيقية قد يشجع موسكو على مواصلة استخدام القوة، ويترك أوروبا أمام تهديد أمني طويل الأمد.
ضغوط الوقود داخل روسيا
تعاني مناطق روسية من نقص في الوقود واضطرابات في الإمدادات، على خلفية الهجمات الأوكرانية المتكررة على المصافي والبنية التحتية النفطية.
ولا تعني هذه الأزمة أن روسيا على وشك فقدان قدرتها على توفير الوقود، لكنها تكشف نقطة ضعف داخل اقتصاد يعتمد بقوة على قطاع الطاقة، ويتعين عليه في الوقت نفسه تمويل الحرب والمحافظة على استقرار السوق المحلية.
وتشير تقديرات إلى أن الأضرار التي لحقت بمنشآت التكرير الروسية كبّدت موسكو خسائر بمليارات الدولارات، وأثرت في قدرتها على معالجة النفط وتصدير مشتقاته.
وقد يسمح تخفيف العقوبات الأميركية لروسيا بامتصاص جزء من هذه الضغوط، حتى لو ظلت الكميات المصدّرة محدودة. لذلك لا تكمن أهمية صفقة الديزل في حجمها الاقتصادي وحده، بل في الرسالة السياسية التي تحملها: واشنطن مستعدة لفتح نافذة تعاون اقتصادي مع موسكو قبل التوصل إلى تسوية شاملة للحرب.
هل يصبح الناتو جزءًا من الصفقة؟
لا تعتمد قوة حلف شمال الأطلسي على الترسانة الأميركية فقط، بل على ثقة أعضائه في التزام واشنطن بالدفاع المشترك، وعلى قدرتهم على تنسيق المواقف تجاه التهديدات الخارجية.
وإذا شعرت الدول الأوروبية بأن الولايات المتحدة تتفاوض مع موسكو بصورة منفردة، أو أنها تضع مصالحها الاقتصادية فوق أمن القارة، فقد تتسارع الجهود الأوروبية لبناء قدرات دفاعية أكثر استقلالًا.
لكن الاستغناء عن الدور الأميركي ليس أمرًا يمكن تحقيقه سريعًا، خصوصًا في مجالات الاستخبارات والدفاع الجوي والقيادة العسكرية والردع النووي.
وقد تحقق روسيا مكسبًا استراتيجيًا حتى من دون تفكيك الناتو، إذا اتسعت الفجوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، وتراجعت الثقة داخل التحالف، وأصبحت كل دولة تبحث بصورة منفردة عن ضمانات لأمنها.
تسوية للحرب أم إعادة توزيع للأعباء؟

لا توجد أدلة كافية للجزم بأن ترامب أبرم صفقة استراتيجية شاملة مع بوتين على حساب أوكرانيا وأوروبا. كما يمكن النظر إلى تخفيف بعض العقوبات باعتباره أداة تفاوضية، إذا ارتبط بتنازلات روسية واضحة وقابلة للقياس.
لكن تزامن صفقة الديزل مع الضغط على زيلينسكي، والإعلان عن هدنة لم تُحدد آلياتها، واستمرار الهجمات الروسية، يثير مخاوف مشروعة بشأن اتجاه السياسة الأميركية.
فهل تريد واشنطن تسوية تضمن أمن أوكرانيا وتمنع تكرار الحرب، أم اتفاقًا يقلص الأعباء الأميركية، حتى لو ترك أوروبا أمام مخاطر أكبر؟
الإجابة لن تتحدد بما يعلنه ترامب عن علاقته ببوتين أو قدرته على صناعة السلام، بل بما ينتزعه فعليًا من موسكو، وبما إذا كانت أوكرانيا والدول الأوروبية شريكة في وضع شروط التسوية، أم مجرد أطراف مطالبة بتحمل نتائجها.
فقد ينجح ترامب في وقف الحرب، لكنه قد يفعل ذلك أيضًا عبر إعادة توزيع القوة والأعباء داخل المعسكر الغربي. وعندها لن يكون السؤال فقط: هل تحقق السلام؟ بل أيضًا: أي غرب سيخرج من هذه التسوية، ومن سيدفع ثمنه؟
اقرأ أيضا:
الكرملين يلوّح بالنووي ويشيد بإيران.. رسائل موسكو من فوق حافة الهاوية