الحرارة لا تضر الجسم فقط.. كيف تؤثر موجات الحر على الدماغ والذاكرة والصحة النفسية؟

0 59

مع تصاعد موجات الحر حول العالم، لم تعد درجات الحرارة المرتفعة تشكل تهديدًا للصحة الجسدية فحسب، بل باتت تمثل خطرًا متزايدًا على وظائف الدماغ والصحة النفسية.

وتشير دراسات علمية حديثة إلى أن التعرض للإجهاد الحراري قد يبطئ التفكير، ويضعف الذاكرة والتركيز، ويؤثر في القدرة على اتخاذ القرارات، كما يرتبط بارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية والسلوك الاندفاعي، الأمر الذي يدفع الباحثين إلى التحذير من التداعيات طويلة المدى لتغير المناخ على القدرات الإدراكية للإنسان.

كيف تؤثر الحرارة على الدماغ؟

يحافظ جسم الإنسان بشكل طبيعي على درجة حرارة داخلية مستقرة تبلغ نحو 36.5 درجة مئوية، وعندما ترتفع حرارة الجو، يبدأ الجسم في تشغيل آليات الدفاع للحفاظ على هذا التوازن.

ومن أبرز هذه الآليات توسع الأوعية الدموية وزيادة تدفق الدم إلى الجلد لتبديد الحرارة عبر التعرق، إلا أن هذه العملية قد تقلل مؤقتًا من كمية الدم المتدفقة إلى الدماغ، وهو ما ينعكس على الأداء الذهني والوظائف الإدراكية.

ويؤكد العلماء أن الدماغ يستهلك كميات كبيرة من الطاقة والأكسجين، لذلك فإن أي تغير في تدفق الدم إليه قد يؤثر في سرعة التفكير والانتباه والاستجابة.

دراسة هارفارد: بطء في التفكير وزيادة الأخطاء

كشفت دراسة أجرتها كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد ونشرت في مجلة PLOS Medicine أن الطلاب الذين عاشوا في مساكن غير مكيفة خلال موجات الحر سجلوا تراجعًا ملحوظًا في الأداء الذهني مقارنة بزملائهم في البيئات المكيفة.

وأظهرت النتائج:

  • زيادة زمن الاستجابة في الاختبارات الإدراكية.
  • ارتفاع معدل الأخطاء في مسائل الحساب والمنطق.
  • تراجع كفاءة الذاكرة العاملة.
  • ضعف التركيز والانتباه المستمر.
  • انخفاض القدرة على حل المشكلات واتخاذ القرارات.

وأشار الباحثون إلى أن اضطرابات النوم الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة ليلًا تزيد من حدة هذه التأثيرات.

الحرارة تؤثر في الناقلات العصبية

تشير أبحاث أخرى إلى أن الإجهاد الحراري قد يؤثر في إنتاج السيروتونين، وهو أحد أهم الناقلات العصبية المسؤولة عن تنظيم المزاج، والنوم، والوظائف الإدراكية، إضافة إلى دوره في تنظيم حرارة الجسم.

ويرى الباحثون أن هذا التغير قد يفسر الشعور بالإرهاق الذهني، وتقلبات المزاج، وصعوبة التركيز خلال فترات الحر الشديد.

هل تزيد الحرارة من السلوك العدواني؟

أظهرت مراجعة علمية نشرتها مجلة The Lancet Planetary Health وجود ارتباط بين ارتفاع درجات الحرارة وزيادة بعض السلوكيات العدوانية والاندفاعية.

وأشارت البيانات إلى:

  • زيادة معدلات بعض الجرائم مع ارتفاع درجات الحرارة.
  • ارتفاع حالات الاعتداءات الجسدية خلال موجات الحر في عدد من الدول.
  • زيادة تدخلات الإسعاف المرتبطة بحوادث العنف في الأيام شديدة الحرارة.

ويؤكد الباحثون أن هذه النتائج تعبر عن ارتباط إحصائي وليس علاقة سببية مباشرة، إذ تلعب الظروف الاجتماعية والاقتصادية دورًا مهمًا في تفسير هذه الظاهرة.

هرمون التوتر يقف وراء تغير المزاج

يفسر العلماء هذه التأثيرات بارتفاع مستويات الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر، أثناء التعرض للإجهاد الحراري.

ويؤدي ارتفاع الكورتيزول إلى انخفاض قدرة الدماغ على التحكم في الانفعالات، ما يجعل الشخص أكثر عرضة للغضب، والانفعال، واتخاذ قرارات متسرعة.

الخطر أكبر على مرضى الاضطرابات النفسية

تشير الدراسات إلى أن الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية هم الأكثر تأثرًا بموجات الحر.

وخلال موجة الحر التي ضربت كندا عام 2021، أظهرت البيانات أن مرضى الفصام كانوا أكثر عرضة للوفاة بثلاث مرات مقارنة بغيرهم.

ويرجع ذلك إلى أن بعض الأدوية النفسية تقلل قدرة الجسم على التعرق وتنظيم درجة الحرارة، ما يزيد من خطر الإصابة بالإجهاد الحراري.

الشباب أكثر حساسية لدرجات الحرارة المرتفعة

وأظهرت دراسة حديثة نشرت عام 2026 في المجلة الأمريكية للطب النفسي أن ارتفاع متوسط درجة الحرارة الشهرية بدرجة مئوية واحدة ارتبط بزيادة معدلات الانتحار بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا بنحو 3%.

ويرى الباحثون أن أدمغة الشباب، التي لا تزال في مراحل النمو، أكثر حساسية للتغيرات البيئية والضغوط الحرارية.

تأثيرات طويلة المدى على القدرات العقلية

في دراسة صينية تابعت أكثر من 53 ألف شخص على مدار ثماني سنوات، وجد الباحثون أن التعرض المتكرر لدرجات الحرارة المرتفعة ارتبط بتراجع أسرع في القدرات الإدراكية مع مرور الوقت.

وتشير نماذج تغير المناخ إلى أنه إذا استمرت درجات الحرارة العالمية في الارتفاع بالمعدلات الحالية، فقد تنخفض متوسط القدرات الإدراكية لسكان العالم بنسبة تتراوح بين 5 و7% بحلول عام 2100.

كيف تحمي دماغك أثناء موجات الحر؟

يوصي الخبراء بعدد من الإجراءات لتقليل تأثير الحرارة على وظائف الدماغ، أبرزها:

  • شرب كميات كافية من المياه طوال اليوم.
  • تجنب التعرض المباشر للشمس خلال ساعات الذروة.
  • البقاء في أماكن جيدة التهوية أو مكيفة قدر الإمكان.
  • الحصول على نوم كافٍ، خاصة خلال فترات الحر.
  • ممارسة الأنشطة الذهنية في الأوقات الأكثر اعتدالًا من اليوم.
  • متابعة كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والنفسية خلال موجات الحر.

الحرارة تحدٍ جديد لصحة الدماغ

تؤكد الأدلة العلمية المتزايدة أن آثار الاحتباس الحراري لا تقتصر على البيئة أو الصحة الجسدية، بل تمتد إلى الدماغ والوظائف العقلية والصحة النفسية.

ومع تزايد موجات الحر عالميًا، يحذر الباحثون من ضرورة التعامل مع الإجهاد الحراري باعتباره تحديًا صحيًا يستوجب الوقاية والتوعية، خاصة للفئات الأكثر عرضة للخطر، حفاظًا على القدرات الإدراكية وجودة الحياة.

Visited 8 times, 8 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق