فوز لوبان المحتمل يثير مخاوف مسلمي فرنسا.. 46% يفكرون في المغادرة
باريس: بريجيت محمد
كشف استطلاع فرنسي حديث عن حالة من القلق داخل قطاعات من الأقليات الدينية، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027، إذ قال 46% من المسلمين المشاركين إنهم قد يفكرون في مغادرة فرنسا إذا وصلت مارين لوبان، مرشحة حزب التجمع الوطني اليميني، إلى قصر الإليزيه.
وتسلط نتائج الاستطلاع الضوء على الانقسام المتزايد في المجتمع الفرنسي بشأن الهجرة والعلمانية وحرية المعتقد وارتداء الحجاب، في وقت تتصدر فيه لوبان استطلاعات الرأي الخاصة بالجولة الأولى، وسط توقعات بمنافسة قوية بينها وبين زعيم حزب «فرنسا الأبية» جان لوك ميلانشون.
46% من المسلمين يفكرون في الرحيل
أجرى معهد «إيفوب» الاستطلاع لصالح مجلة «ماريان» الفرنسية، خلال الفترة من 25 إلى 30 سبتمبر 2026، عبر الإنترنت، على عينة تضم 9689 شخصًا بالغًا من المقيمين في فرنسا.
وأظهرت النتائج أن 46% من المشاركين المسلمين قد يفكرون في الانتقال إلى دولة أخرى حال فوز لوبان، بينما أكد 20% منهم أنهم سيغادرون فرنسا «بالتأكيد».
ولا تعكس هذه الأرقام قرارات فعلية اتخذها المشاركون، بل تعبّر عن نوايا معلنة في مواجهة سيناريو سياسي افتراضي، وهو فارق أساسي عند قراءة النتائج وتفسير دلالاتها.
كما أبدى 44% من المشاركين اليهود استعدادًا للتفكير في مغادرة البلاد تحت السيناريو نفسه، فيما بلغت النسبة على مستوى الفرنسيين عمومًا 21%.
مخاوف من التمييز وتقييد الحريات
بحسب نتائج الاستطلاع، يخشى 81% من المشاركين المسلمين أن يؤدي وصول لوبان إلى الرئاسة إلى زيادة أعمال التمييز والعداء ضد المسلمين، أو فرض قيود إضافية على ممارسة الشعائر الدينية.
وترتبط هذه المخاوف بصورة أساسية بالمواقف التي تبنتها لوبان وحزب التجمع الوطني تجاه الهجرة، و«الأفضلية الوطنية»، وارتداء الحجاب في الأماكن العامة، فضلًا عن خطط الحزب لمكافحة ما يصفه بـ«الإسلام السياسي» و«الأصولية».
وتدافع لوبان عن التمييز بين الإسلام باعتباره دينًا تمارس شعائره بحرية، وبين التيارات السياسية المتشددة التي تسعى، وفق رؤيتها، إلى وضع أحكام الشريعة فوق قوانين الجمهورية.
لوبان ترد: مخاوفهم في غير محلها
ردت مارين لوبان على نتائج الاستطلاع، مؤكدة أن المسلمين الذين يخشون وصولها إلى السلطة «مخطئون تمامًا»، وأنهم لا يملكون سببًا يدفعهم إلى القلق من ممارسة معتقداتهم.
وقالت إن الإسلام يتوافق مع الجمهورية الفرنسية، وإن حزبها لا يستهدف المسلمين أو الدين الإسلامي، وإنما يواجه ما وصفته بـ«الأصولية الإسلامية بوصفها أيديولوجيا شمولية».
وأضافت أن مشروعها يتمسك بحرية الضمير والحرية الدينية، لكنه يرفض فرض الشريعة أو أي قواعد دينية فوق قوانين الدولة الفرنسية. leparisien.fr
ومع ذلك، لا تزال مقترحاتها المتعلقة بحظر الحجاب في الأماكن العامة من أكثر نقاط برنامجها إثارة للجدل، إذ ترى أوساط حقوقية وسياسية أن تنفيذها قد يصطدم بالدستور الفرنسي والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
الحجاب يعمق الانقسام بين الأجيال
سلط الاستطلاع الضوء على اختلاف واضح بين الأجيال الفرنسية بشأن ارتداء الحجاب في المجال العام.
وأعرب 53% من المشاركين عن معارضتهم ارتداء الحجاب في الشوارع، وهي نسبة تقل بنحو عشر نقاط مقارنة بنتائج عام 2012. وفي المقابل، قال 62% من الشباب الذين تقل أعمارهم عن 25 عامًا إنهم يقبلون ارتداءه في الأماكن العامة.
لكن الاتجاه يصبح أكثر تشددًا عندما يتعلق الأمر بالمؤسسات التعليمية والقاصرات؛ إذ أيد 69% فرض حظر على الحجاب داخل الجامعات، بينما دعم 72% من المشاركين حظره على الفتيات دون سن الخامسة عشرة.
وتكشف هذه النتائج أن الموقف من الحجاب لا يسير في اتجاه واحد؛ فبينما يبدو الجيل الأصغر أكثر قبولًا لوجوده في الشارع، لا يزال قطاع واسع من الرأي العام يؤيد فرض قيود عليه في المدارس والجامعات وبعض المؤسسات العامة.
استعداد للاحتجاج والعصيان المدني
لم يقتصر الاستطلاع على احتمال المغادرة، بل تناول أيضًا أشكال رد الفعل السياسي التي قد تظهر إذا فازت لوبان.
وقال 41% من المشاركين إنهم قد يرفضون الامتثال إلى قوانين يعتبرونها غير عادلة، بينما أبدى 38% استعدادهم للمشاركة في إضرابات أو تحركات احتجاجية.
وترتفع نسبة الاستعداد للعصيان إلى 75% بين مؤيدي حزب «فرنسا الأبية»، ما يعكس حجم الاستقطاب السياسي بين اليمين القومي واليسار الراديكالي قبل الانتخابات.
ولا تعني هذه الإجابات أن المشاركين سينفذون تلك المواقف بالفعل؛ إذ تقيس استطلاعات السيناريوهات الافتراضية درجة القلق والاستعداد النفسي أكثر مما تتنبأ بالسلوك الفعلي بعد الانتخابات.
الهجرة والعلمانية في قلب معركة 2027
تتجه فرنسا إلى انتخابات رئاسية شديدة الاستقطاب في أبريل ومايو 2027، مع تقدم لوبان في تقديرات الجولة الأولى، وتصاعد نفوذ ميلانشون على الجانب الآخر من المشهد السياسي.
وتسعى لوبان إلى تقديم حزبها باعتباره قوة سياسية قادرة على الحكم، بعدما عملت خلال السنوات الماضية على تخفيف بعض مواقفه التقليدية، وتراجعت عن الدعوة إلى خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي أو العملة الموحدة.
لكنها لا تزال تتمسك بسياسات متشددة بشأن الهجرة والأفضلية الوطنية والحجاب.
وفي المقابل، يحذر خصومها من أن تلك السياسات قد توسع الانقسام داخل المجتمع، وتضع حرية المعتقد والمساواة بين المواطنين أمام اختبارات قانونية وسياسية صعبة.
وبين تطمينات لوبان ومخاوف قطاعات من المسلمين واليهود واليسار، يكشف الاستطلاع أن معركة الرئاسة الفرنسية لن تدور حول الاقتصاد والأمن فقط، بل حول سؤال أعمق: أي نموذج للجمهورية تريد فرنسا أن تكون عليه بعد انتخابات 2027؟.
اقرأ أيضا:
الانتخابات الفرنسية 2024: مارين لوبان قد تفوز بأغلبية مطلقة بنسبة 36٪ من الأصوات المدعي العام الفرنسي ينفي الطابع السياسي لإدانة مارين لوبان وحزبها يعلن التصعيد