خبير قانون دولي: صمت الاتحاد الأفريقي عن أزمة سد النهضة يكرس سياسة الأمر الواقع

0 45

كتب – عبدالله منتصر

حذّر الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، من استمرار الصمت الأفريقي تجاه الإجراءات الأحادية في ملف سد النهضة، معتبرًا أن غياب موقف حاسم قد يُفهم باعتباره قبولًا ضمنيًا بسياسة فرض الأمر الواقع في الأنهار الدولية المشتركة.

وأشاد مهران بكلمة الرئيس عبدالفتاح السيسي، التي ألقاها على هامش منتدى العلمين بحضور رئيس الاتحاد الأفريقي، مؤكدًا أنها تعكس تمسك مصر بمبدأي الانتفاع المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر جسيم لدول المصب.

وأوضح أن هذين المبدأين يمثلان ركيزتين أساسيتين في القانون الدولي للمجاري المائية، وخصوصًا اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية.

حقوق مصر المائية «قضية وجودية»

قال مهران، في تصريحات خاصة لـ«الجمهورية والعالم»، إن تأكيد الرئيس السيسي أن حقوق مصر المائية قضية وجودية لا تقبل المساومة، ورفضه توظيف المياه لتحقيق مكاسب سياسية، يعكسان التزامًا بالمبادئ القانونية المنظمة لإدارة الأنهار المشتركة.

وأضاف أن مطالبة الدولة بحقوقها المائية وفق قواعد القانون الدولي، مع رفض استخدام المياه وسيلة للضغط أو الابتزاز السياسي، تمنحها موقفًا قانونيًا وأخلاقيًا أكثر قوة من تبني مفهوم السيادة المطلقة على نهر دولي تتقاسمه عدة دول.

وتؤكد الخارجية المصرية في موقفها الرسمي ضرورة الالتزام بمبادئ التعاون والتشاور والانتفاع المنصف والمعقول وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، إلى جانب إجراء الدراسات اللازمة والإخطار المسبق بشأن المشروعات المقامة على الأنهار العابرة للحدود.

خبير يرفض مقارنة سد النهضة بالسد العالي

رفض مهران تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هبتامو إيتيفا، التي استند فيها إلى تجربة بناء السد العالي للدفاع عن سد النهضة، معتبرًا أن المقارنة بين المشروعين تتجاهل اختلافات قانونية وجغرافية وهيدرولوجية جوهرية.

وأوضح أن السد العالي أُقيم داخل الأراضي المصرية وفي أقصى دولة المصب، بينما أُنشئ سد النهضة على النيل الأزرق، وهو مجرى مائي دولي مشترك يمثل المصدر الرئيسي للمياه الواردة إلى مصر والسودان.

وبحسب مهران، فإن الفارق الأساسي يتمثل في أن السد العالي لا يمنع المياه عن دول المنبع، في حين يمكن أن تؤثر قواعد ملء سد النهضة وتشغيله بصورة مباشرة في التدفقات الواصلة إلى دولتَي المصب، ما يجعل الاتفاق المسبق بشأن التشغيل ضرورة لتجنب الأضرار المحتملة.

أربعة اختلافات قانونية وتاريخية

حدد أستاذ القانون الدولي أربعة اختلافات رئيسية يرى أنها تُضعف المقارنة الإثيوبية بين السدين.

وأشار أولًا إلى أن السد العالي شُيد خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، قبل اكتمال التطور الحديث لقواعد الإخطار والتشاور بشأن مشروعات الأنهار الدولية، بينما بدأ إنشاء سد النهضة عام 2011، بعدما أصبحت مبادئ التعاون والإخطار المسبق ومنع الضرر من القواعد المستقرة في القانون الدولي للمياه.

ويتمثل الاختلاف الثاني، بحسب مهران، في موقع كل مشروع وتأثيره؛ فالسد العالي يقع في دولة المصب، ولا يحجب المياه عن الدول الواقعة أعلى النهر، بينما يقع سد النهضة على النيل الأزرق، الذي يوفر النسبة الأكبر من المياه الواصلة إلى مصر والسودان.

أما الاختلاف الثالث، فيتعلق بتوقيع مصر وإثيوبيا والسودان إعلان مبادئ سد النهضة عام 2015، الذي نص على التعاون والانتفاع المنصف وعدم التسبب في ضرر، في حين نفذت أديس أبابا عمليات ملء وتشغيل متتالية دون التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم مع دولتَي المصب.

ورأى مهران أن الاختلاف الرابع يرتبط باستدعاء الجانب الإثيوبي لقضية تهجير النوبيين والآثار الاجتماعية لبناء السد العالي، موضحًا أن مصر تحملت هذه التداعيات داخل أراضيها، بينما تمتد التأثيرات المحتملة لسد النهضة إلى دول أخرى تشترك في المجرى المائي.

«حجج لا تغير من الموقف القانوني»

توقف مهران عند رد وزارة الخارجية المصرية على التصريحات الإثيوبية الأخيرة، الذي وصف بعض الحجج المطروحة بأنها «والعدم سواء»، معتبرًا أن العبارة تعكس ثقة القاهرة في الأسس القانونية التي تستند إليها.

وأشار إلى أن مصر ترى أن سنوات التفاوض لم تفضِ إلى اتفاق بسبب استمرار الإجراءات الإثيوبية الأحادية، مؤكدة احتفاظها بحقها في اتخاذ التدابير التي تكفل حماية أمنها المائي ومصالح شعبها وفق ميثاق الأمم المتحدة.

دعوة إلى تحرك أفريقي ودولي

طالب الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي باتخاذ موقف أكثر فاعلية، مؤكدًا أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف فني أو مائي بين ثلاث دول، وإنما باتت ترتبط بالأمن المائي والبيئي والاستقرار الإقليمي.

وقال إن الاتحاد الأفريقي مطالب بممارسة ما وصفه بـ«الحياد الإيجابي»، من خلال دعم حل قانوني عادل لا يكافئ الطرف الذي يفرض إجراءات أحادية على حساب الطرف المتمسك بالمسار السلمي والتفاوضي.

وحذّر من أن نجاح سياسة فرض الأمر الواقع في نهر النيل قد يحولها إلى نموذج يتكرر في الأنهار الدولية الأخرى داخل القارة الأفريقية، بما يفتح الباب أمام أزمات عابرة للحدود يصعب احتواؤها مستقبلًا.

المادة 51 وحدود الصبر المصري

وفي ختام تصريحاته، رأى مهران أن مصر استنفدت مسارات دبلوماسية وقانونية عديدة، وأنها تحتفظ، وفق تفسيره، بحق الدفاع الشرعي المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة إذا تحولت الإجراءات المرتبطة بالمياه إلى تهديد مباشر لأمنها الوجودي.

وأكد أن الحديث عن هذا الحق لا يمثل تهديدًا، وإنما يوضح، من وجهة نظره، الحدود القانونية للصبر المصري، مشددًا على أن التمسك بالحلول السلمية لا يعني قبول الإضرار بالأمن المائي أو التسليم بسياسة الأمر الواقع.

وتظل مسألة تطبيق المادة 51 على النزاعات المائية محل نقاش بين خبراء القانون الدولي؛ إذ تربط المادة حق الدفاع الشرعي، في نصها، بوقوع هجوم مسلح، بينما يطرح بعض القانونيين تفسيرات أوسع في حالات التهديد الوجودي.

اقرأ أيضا:
أصحاب الأرض” يشعل الجدل.. وخبير قانوني: من تُدينه المحاكم ليس مالكاً للأرض

Visited 1 times, 2 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق