سمير الإسكندراني كما عرفته.. صداقة بدأت بـ«سر برهومة» وخلّدها عودٌ لا يزال يتكلم

ماذا حدث بعدما حاولت المخابرات الإسرائيلية تجنيدى!!

3٬390

كتب: محمد غنيم

خاص بـ«الجمهورية والعالم»

رحل «الثعلب المصري» والمطرب الكبير سمير الإسكندراني عن عالمنا، تاركًا إرثًا فنيًا ووطنيًا ثريًا، وبصمةً بارزة في تاريخ الغناء المصري والعربي، وصوتًا تجاوز حدود الوطن ليصل إلى جمهورٍ واسع خارج مصر.

امتدت صداقتي بالفنان الراحل لأكثر من عشرين عامًا. بدأت مصادفةً في إحدى القرى السياحية الواقعة على طريق القاهرة–الإسكندرية الصحراوي، ثم تحولت سريعًا إلى علاقة إنسانية متينة، امتلأت بالمحبة والذكريات والحكايات.

في لقائنا الأول، أخبرته عن إعجابي به منذ أن استمعت إلى أغنياته الوطنية والاجتماعية، وفي مقدمتها «يا رب بلدي وحبايبي» و«المجتمع والناس». فسألني إن كنت قد شاهدت ظهوره على شاشة التلفزيون الإيطالي، عقب مشاركة المنتخب المصري في كأس العالم عام 1990، التي أُقيمت في إيطاليا.

قلت له:

– نعم، شاهدتك على قناة «راي» الإيطالية، وسمعت إشادة الإيطاليين بصوتك وحضورك.

وفي نهاية اللقاء، أهديته نسخةً باللغة الإيطالية من كتابي «سر برهومة».

في صباح اليوم التالي، وفي تمام السابعة، رنّ هاتفي، وظهر على شاشته اسم «الفنان سمير الإسكندراني».

– أهلًا أستاذ سمير.

– أهلًا يا محمد… لم أنم إلا بعد أن انتهيت من قراءة «سر برهومة».

سألته في لهفة:

– وهل أعجبك؟

فأجاب:

– جدًا… مزرعتك تبعد كام كيلو عن إسكندرية؟

قلت:

– نحو نصف ساعة بالسيارة.

وفي تمام الثامنة صباحًا، كان سمير الإسكندراني في ضيافتي، ترافقه زوجته، ويحمل معه عوده الذي طالما عزف عليه وغنّى بصحبته. وفي لحظة لم أنسها، فاجأني بإهدائي ذلك العود.

غمرتني سعادة لا توصف، واغرورقت عيناي بالدموع. لم أشعر أنني أتلقى آلة موسيقية فحسب، بل شعرت بأنني أتسلم قطعة من روحه وذاكرته، وأمانةً فنية وإنسانية ستظل مرتبطة باسمه ما حييت.

جلسنا طويلًا نتحدث عن الفن والغناء والحياة، وعن ذكرياته في إيطاليا. واكتشفت، خلف صوت المطرب وحضور الفنان، إنسانًا واسع الثقافة، رقيق القلب، عذب الحديث؛ إذا جلس بين أصدقائه آنسوا بصحبته، وإذا تحدث أصغوا إليه مأخوذين بثقافته وثراء تجربته.

ومع مرور الأيام، توطدت صداقتنا، وبدأ الفنان الكبير يفتح لي خزائن ذاكرته، ويروي تفاصيل لم تكن معروفةً لكثيرين.

قال لي ذات يوم:

«كنت أتحدث الإيطالية بطلاقة، وكنت ما أزال طالبًا في كلية الفنون الجميلة. وفي تلك الفترة، وقع خلاف بيني وبين والدي بسبب تأخري المتكرر خارج المنزل.

الفنان سمير الاسكندرانى في شقته بالقاهرة مع الشاعر محمد غنيم

كنت قد عدت من إيطاليا بعدما حاولت المخابرات الإسرائيلية تجنيدي، فأبلغت والدي بما حدث، ثم أبلغنا المخابرات العامة المصرية، والتقيت الرئيس جمال عبد الناصر. وسوف أحكي لك تفاصيل هذا اللقاء في وقت آخر.

طلبت منا المخابرات العامة ألا نقلق، وأن يظل الأمر سرًا لا يعرفه أحد. وبعد ذلك، بدأت تُكلّفني ببعض المهام التي كانت تقتضي بقائي خارج المنزل حتى وقت متأخر.

لكن والدي لم يكن يعرف حقيقة ما أقوم به، وظن أنني شاب مستهتر، فاشتد الخلاف بيننا، وانتهى الأمر بأن طردني من البيت.

اضطررت وقتها إلى الإقامة مع أحد أصدقائي القادمين من ريف المنوفية، وكان اسمه كمال السراج. كان يسكن في مكان متواضع على الضفة الأخرى من النيل، في مواجهة كلية الفنون الجميلة ومنزل أم كلثوم. وأصبح كمال السراج فيما بعد عميدًا لكلية الفنون الجميلة، ثم رئيسًا لجامعة حلوان». وقد شغل الفنان كمال السراج بالفعل المنصبين لاحقًا.

كانت تلك مرحلة صعبة في حياة سمير الإسكندراني؛ وجد نفسه مطالبًا بأن يشق طريقه منفردًا، وأن يعمل حتى يستطيع استكمال دراسته وتوفير نفقات معيشته وأدواته الفنية من أوراق وألوان وأحبار.

ويواصل حكايته:

«كنت في السنة النهائية بكلية الفنون الجميلة، فتوجهت إلى شخص كنت أعرفه وأحبه كثيرًا، وهو الكاتب أنيس منصور، الذي كان يتولى رئاسة تحرير مجلة “الجيل الجديد” في ذلك الوقت.

أخذت معي ملفًا يضم لوحاتي ورسوماتي، وطلبت منه أن أعمل رسامًا في المجلة، حتى أستطيع مواصلة دراستي وتوفير نفقات المعيشة وأدوات الرسم.

تصفّح أنيس منصور الملف، ثم قال لي إنه سيعرضه على الأستاذ علي أمين، وطلب مني أن أعود إليه بعد أسبوع.

عدت في الموعد المحدد، فأخبرني أن علي أمين وافق على تعييني براتب قدره خمسة عشر جنيهًا في الشهر. وكان ذلك مبلغًا كبيرًا في ذلك الوقت؛ فقد عُيّنت بعد عدة أشهر معيدًا في الكلية براتب سبعة عشر جنيهًا وثلاثين قرشًا».

كان أنيس منصور يعرف أن سمير الإسكندراني يجيد الإيطالية بطلاقة. ورغم أن أنيس كان يعرف اللغة أيضًا، فإنه كان يتوقف أحيانًا باحثًا عن إحدى الكلمات، فيسارع سمير إلى مساعدته.

وفي اليوم الذي عاد فيه سمير لمعرفة نتيجة تعيينه، كان أنيس منصور يجري حوارًا مع صحفي إيطالي من جريدة «كورييري ديلا سيرا». فطلب منه أن يجلس ويساعده في استكمال الحوار.

يقول سمير:

«بعد انصراف الصحفي الإيطالي، فوجئت بأنيس منصور يقول لي:

– خد ملفك يا سمير… أنا مش هشغّلك عندي!

سألته مندهشًا:

– هل أخطأت في شيء؟ وإذا كنت أخطأت فأنا أعتذر.

فقال:

– لا، أنت لم تخطئ. لكنك تتحدث الإيطالية بطلاقة، وهناك صديق يحتاج إليك أكثر مني. إنه عبد الحميد الحديدي، مدير عام البرامج في الإذاعة المصرية. لديه مذيعون مصريون في البرامج الموجهة بلغات مختلفة، لكنه يريد تمصير البرنامج الإيطالي الذي كان يعتمد على الإيطاليين.

طلب مني أن أذهب إليه، وحاولت إقناعه بأن أبقى وأعمل معه، لكنه أصرّ على موقفه».

وهكذا، كان رفض أنيس منصور تعيين سمير الإسكندراني في المجلة بابًا إلى طريق جديد؛ إذ انتقل إلى الإذاعة المصرية، وشارك في البرنامج الإيطالي ضمن مشروع تمصير البرامج الموجهة. والاسم الصحيح للمسؤول الإذاعي هو عبد الحميد الحديدي، وليس «الحريري.

 

الفنان سمير الأسكندرانى والكاتب محمد غنيم

لم يكن سمير الإسكندراني مجرد مطرب ذي صوت مميز؛ بل كان فنانًا تشكيليًا ومثقفًا يتقن اللغات، ورجلًا وطنيًا عاش حياةً حافلة بالمواقف والتجارب. وقد ارتبط اسمه بقصة وطنية شهيرة بدأت بمحاولة الموساد تجنيده، وانتهت بتعاونه مع المخابرات المصرية ولقائه الرئيس جمال عبد الناصر.

رحل سمير الإسكندراني في 13 أغسطس 2020 عن عمر ناهز 82 عامًا، لكن صوته وحكاياته ومواقفه بقيت حاضرة.

وحتى اليوم، كلما نظرت إلى عوده الذي أهداني إياه، أشعر بأن نغماته القديمة ما زالت عالقةً بين أوتاره، وأن صاحبه لم يرحل تمامًا؛ فالفنانون الحقيقيون يغيبون بأجسادهم، لكنهم يتركون في أرواح أصدقائهم وذاكرة أوطانهم شيئًا عصيًّا على الغياب.

اقرأ أيضا:
محطات مع صديقى سمير الاسكندرانى – يكتبها محمد غنيم

Visited 357 times, 1 visit(s) today

التعليقات متوقفه