قراءة نقدية في مسرحية «أهل الكهف» لتوفيق الحكيم

الزمن بوصفه إشكالية وجودية لا إطارًا سرديًا

3٬895

الناقد خالد محمود

الزمن، الإيمان، والوجود الإنساني في المسرح الذهني

تُعد مسرحية «أهل الكهف» لتوفيق الحكيم، الصادرة عام 1933، واحدة من أبرز الأعمال المؤسسة للمسرح العربي الحديث، ومن أكثر نصوص الحكيم حضورًا وتأثيرًا في الذاكرة الأدبية والنقدية.

وهي مسرحية فلسفية ذات بعد ديني، استلهم الحكيم فكرتها من قصة أهل الكهف الواردة في القرآن الكريم، ومن روايات التاريخ المسيحي، غير أنه لم يتعامل مع المادة التراثية بوصفها حكاية إيمانية خالصة، بل أعاد تشكيلها في إطار فكري يعالج أسئلة الزمن والهوية والمصير الإنساني.

وقد حققت المسرحية منذ صدورها نجاحًا لافتًا على مستوى التلقي القرائي، إذ طُبعت مرتين في عامها الأول، وتُرجمت إلى لغات عالمية عدة، منها الفرنسية والإيطالية والإنجليزية، وهو ما يعكس انتشارها الواسع وقدرتها على العبور من المحلي إلى الإنساني العام.

بين النجاح القرائي والإخفاق المسرحي

على الرغم من هذا النجاح الأدبي، لم تحظَ المسرحية بالتوفيق نفسه عند تقديمها على خشبة المسرح، إذ واجهت العروض التي قُدمت لها صعوبات فنية ودرامية حالت دون تحقيق النجاح المرجو.

وقد أرجع توفيق الحكيم هذا الإخفاق إلى الطبيعة الذهنية والفلسفية للنص، الذي يعتمد على الحوار التأملي العميق أكثر من اعتماده على الفعل المسرحي والحركة، ما جعله أقرب إلى «المسرح المقروء» منه إلى المسرح المشهدي.

ويكشف هذا التناقض بين نجاح النص وفشل العرض عن إشكالية جوهرية في تجربة الحكيم المسرحية، حيث تغلب الفكرة على الدراما، ويتقدم السؤال الفلسفي على الصراع الحركي.

الزمن بوصفه بطلًا خفيًا

تدور أحداث المسرحية حول مجموعة من المسيحيين الذين فرّوا من اضطهاد الإمبراطور الوثني دقيانوس، فلجؤوا إلى كهف أنامهم الله فيه لقرون طويلة، ثم بعثهم في زمن مختلف كليًا عن زمنهم الأول.

غير أن الحكيم لا يتعامل مع الزمن هنا بوصفه إطارًا سرديًا، بل يجعله قوة قاهرة، وخصمًا وجوديًا، وبطلًا خفيًا يحكم مصائر الشخصيات.

فالزمن في «أهل الكهف» ليس مجرد تعاقب للأيام، بل هو سلطة تمحو العلاقات، وتُفكك الانتماء، وتعيد تعريف الإنسان لذاته.

يستيقظ الأبطال ليجدوا أنفسهم غرباء في عالم لم يعودوا ينتمون إليه، فيتحول الصراع من صراع مع الطغيان السياسي إلى صراع مع الوجود ذاته.

الشخصيات ودلالاتها الفكرية

مرنوش: العقل المرتبط بالحياة

شخصية مرنوش تمثل أحد أهم المفاتيح الفكرية في المسرحية. فهو رجل من الطبقة العليا، يخفي إيمانه المسيحي عن دقيانوس، ويرتبط بالحياة من خلال زوجته وابنه أكثر من ارتباطه بالعقيدة ذاتها.

هذا الارتباط الإنساني العميق يجعله يرفض تصديق حقيقة الزمن حين يُدرك أنه نام قرونًا طويلة، لأن قبوله بها يعني اعترافه بفقدان كل ما يمنحه معنى للحياة.

وعندما يتيقن من ضياع زوجته وابنه، ينهار منطقه العقلي، ويتجه بإرادته إلى العودة إلى الكهف، في تحول وجودي يعكس انكسار علاقته بالحياة، واختياره الموت بوصفه مخرجًا من عالم فقد فيه كل جذوره.

مشلينيا: التمسك بالحياة

يمثل مشلينيا صوت الحياة والرغبة في الاستمرار. فهو يرفض الاستسلام للزمن، ويتشبث بالحب، ويحاول التكيف مع العالم الجديد مهما بدا غريبًا.

يظهر هذا التوجه بوضوح في الحوار الأخير بينه وبين مرنوش، حيث يقف مشلينيا في مواجهة الفناء، معبرًا عن إرادة الحياة رغم إدراكه لاستحالة العودة إلى الماضي.

يمليخا: التسليم واليقين

يمثل يمليخا الشخصية الأبسط والأكثر اتزانًا. فهو الراعي الذي ترك أغنامه لينضم إلى رفاقه مع كلبه قطمير، ويجسد نموذج الإنسان المؤمن تسليمًا، القادر على تقبل الواقع دون صراع حاد.

إيمانه فطري، وبصيرته هادئة، وهو الأقل اضطرابًا أمام صدمة الزمن، ما يمنحه بعدًا رمزيًا يتجاوز بساطة موقعه الاجتماعي.

بريسكا: البعد العاطفي والروحي

تمثل بريسكا، حفيدة بريسكا الجدة التي أحبها مشلينيا، العنصر النسائي الرئيس في المسرحية. وهي تجسد الجانب العاطفي والروحي، وترمز إلى الإيمان، والحب، والحنين إلى الثبات.

حضورها يخلق توازنًا بين العقل والروح، غير أن دورها يظل رمزيًا أكثر منه فاعلًا، بما يعكس رؤية الحكيم لمحدودية الحب أمام سطوة الزمن.

الشخصيات الثانوية

تُسهم الشخصيات الثانوية في تعميق البعد الرمزي للمسرحية؛ فجالياس، مؤدب الأميرة، يمثل الطبقة الإدارية والسياسية، بينما يجسد ملك طرسوس المسيحي نموذج السلطة المتسامحة، بما يعكس تحولات القيم بين زمنين مختلفين.

الحوار الفلسفي وصراع الحياة والموت

تبلغ المسرحية ذروتها الفكرية في الحوار الطويل بين مرنوش ومشلينيا في الفصل الأخير، حيث يتجلى الصراع بين الرغبة في الحياة وقبول الفناء.

يناقش الحوار مفاهيم الزمن والموت والإيمان، ويقدّم مرنوش رؤية تشاؤمية تصف الإنسان بأنه «أحلام الزمن»، في إشارة إلى هشاشة الوجود الإنساني وتلاشيه أمام حركة التاريخ.

هذا الحوار لا يعكس فقط اختلاف الشخصيات، بل يعبّر عن تأملات الحكيم العميقة في معنى الحياة، وتحول الإيمان تحت ضغط التجربة والزمن.

العقل، الإيمان، والحياة الزوجية

يربط الحكيم بين العقل والحياة الزوجية من خلال شخصية مرنوش، الذي لا يتبنى الإيمان بدافع عقائدي خالص، بل بدافع إنساني مرتبط بحبه لزوجته.

وعندما يفقدها، يفقد معها سبب تمسكه بالحياة، فيتحول موقفه الفكري جذريًا. بهذا الربط، يكشف الحكيم عن تداخل الفكر مع التجربة الحياتية، وعن هشاشة القناعات حين تُنتزع من سياقها الإنساني.

القيمة الفنية والفكرية للمسرحية

تُعد «أهل الكهف» من روائع المسرح العربي، لما تحمله من عمق فلسفي وبناء رمزي متماسك. وقد نجح الحكيم في تحويل قصة دينية إلى نص إنساني مفتوح على التأويل، يطرح أسئلة الوجود والزمن والمصير دون تقديم إجابات نهائية.

غير أن غلبة الفكر على الدراما تبقى أبرز مآخذ النص من منظور العرض المسرحي، وهو ما يرسّخ تصنيفها ضمن «المسرح الذهني» الذي يُقرأ أكثر مما يُمثّل.

 مسرحية «أهل الكهف»تؤكد علي المكانة الريادية لتوفيق الحكيم في الأدب المسرحي العربي، وتكشف عن قدرته على توظيف التراث الديني في معالجة قضايا إنسانية كبرى.

فهي مسرحية عن الإنسان حين يواجه الزمن، وعن الوجود حين يفقد معناه، وعن الإيمان حين يُختبر بالتجربة.

وبذلك، تظل «أهل الكهف» عملًا حيًا، متجدد الدلالة، وقادرًا على مساءلة القارئ المعاصر كما ساءل قارئ الأمس، وهو ما يمنحها خلودها الفني والفكري.

اقرأ أيضا للناقد:

“تحليل فلسفي لرواية ‘زوربا اليوناني’: توازن بين العقل والروح في مسار الحياة”

“نجيب محفوظ: رحلة إبداع تتجاوز الزمن والحدود في الذكرى الـ 112 لميلاده”

“التأثير الروحي والأدبي لطه حسين في تشكيل الفكر العربي المعاصر”

“الطبقات الاجتماعية والديكاميرون: تفاعلات بين النبلاء والتجار” – دراسة للتوترات الاجتماعية والاقتصادية التي تظهر في الرواية.

“الرؤية الفلسفية في أعمال دوستويفسكي: تحليل لمفاهيم الحرية والإرادة والمسؤولية.”

مئة عام من العزلة”: استكشاف لأعماق الزمان والمكان والإنسانية في رواية ماركيز

“دون كيشوت: رحلة البحث عن الحلم والمعنى في عالم الخيال والواقع”

رواية “قنديل أم هاشم” ليحيى حقي: رحلة في صراع التقاليد والعلم

عالم رمزي وصراعات إنسانية: تحليل نقدي لرواية “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ

رواية ‘الوراق’ ليوسف زيدان: استكشاف رحلة العالم القدير أبو الحسن علاء الدين ابن النفيس في زمن التحولات والبحث عن معنى الوجود”
تجسيد الصمت والإنكار في قصة ‘بيت من لحم’ ليوسف إدريس: دراسة لعمق العلاقات الإنسانية والصراعات النفسي

فريدريك نيتشه وتحريف أفكاره: بين الفلسفة الأصيلة وترويج التطرف

رؤية جديدة للتاريخ والدين: منطق يوسف زيدان في فهم الأحداث

طه حسين واحدٌ من أهم عباقرة زماننا المعاصر..

 

Visited 991 times, 1 visit(s) today

التعليقات متوقفه