نبيل عمر يكتب:موقف بايدن وسوناك من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني: قوة عظمى وتراث استعماري”

0 1٬109

نبيل عمر

أتصور أن موقف الرئيس الأمريكى بايدن من العدوان الإسرائيلى على غزة يتفق وتاريخ بلاده وثقافته وفهمه لمعنى القوة العظمي، وأظن أن موقف رئيس الوزراء البريطانى ريشى سوناك يعبر بإخلاص عن تراث الإمبراطورية التى لم تكن تغرب عنها الشمس، الإمبراطوية التى خلفت فى مستعمراتها القديمة «ألغاما» طائفية وعرقية وحدودية تنفجر تلقائيا كلما حاول أحد نزعها.

بايدن ابن إمبراطورية حديثة، هى قوة عظمى وليست دولة عظمي، والفارق كبير بين القوة والدولة، القوة العظمى حالة فيزيائية، لا تبصر ولا تميز، مثل القوة الكهربائية أو القوة النووية أو قوة الزلزال والطوفان والإعصار والبركان والنيران، تعصف بالإنسان والحيوان والبيوت وكل شىء، وفعلت ذلك فى اليابان وفيتنام والعراق..الخ، باسم الدفاع عن النفس، أما الدولة العظمى فهى شىء آخر، قدرة لها عقل يميز ويبصر ويختار ويدرك الحقائق ويوازن بين المصالح والجرائم ضد الإنسانية فى علاقاته مع المجتمعات الأخرى، وتضع حدودا على استخدام طاقاتها وإمكاناتها عند الدفاع عن تلك المصالح أو اتخاذ موقف من الصراعات فى العالم.. ولا تتجاوز مواقف الولايات المتحدة وسياساتها دور القوة العظمى،

منذ خروجها من عزلتها خلف المحيط الأطلنطى إلى العالم الخارجى فى القرن العشرين، ولم تلعب أبدا دور الدولة العظمي، وهى أقرب إلى «الإمبراطورية» التى جسدها المخرج الأمريكى ستيفن سبيلبرج فى سلسلة أفلامه «حرب النجوم»، الإمبراطورية التى تسعى إلى الهيمنة على الكون بكل الوسائل أيا كانت دناءتها. أما سوناك فهو شرب من تاريخ بريطانيا كل «السيئات الاستعمارية»، ونفض عن نفسه تراث وطنه الأصلى الهند، الذى عانى اضطهادا وظلما وجرائم من الإمبراطورية القديمة كما يعانى الفلسطينيون الآن، ولم يتعلم شيئا من قائد هندى عظيم مازال رمزا للتسامح والنضال من أجل الإنسان والإنسانية هو المهاتما غاندي.

ليس هذا موضوعنا، وإن كان مقدمة ضرورية لندرك أسباب أمريكا وبريطانيا النفسية العميقة فى «تأييد» إسرائيل وهى ترتكب جرائم ضد الإنسانية فى غزة والأرض الفلسطينية، ولم يسأل أى من هؤلاء الذين يرفعون «حق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها» السؤال الساذج: لماذا لم يتحقق السلام حتى الآن منذ اتفاقية أوسلو فى 1993؟!، ثلاثون سنة من المفاوضات العبثية هنا وهناك دون أى نتائج تذكر، من الذى أجهض السلام قبل أن يحل بالمنطقة؟، من الذى يتوسع فى المستوطنات على أرض الغير؟، من الذى حول غزة إلى أكبر سجن مفتوح عرفته البشرية عبر تاريخها الطويل؟، من الذى يرفض حل الدولتين؟، من الذى يتجاهل تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ولا يلتزم بالقانون الدولى الذى ارتضته دول العالم؟

كلها أسئلة لا تهم أمريكا الصديق الاستراتيجى للعرب، ولا بريطانيا الصديق الكلاسيكى القديم ولا حلفاءهم، لأنهم يريدون سلاما تفصيلا على مقاس إسرائيل، حتى إن كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية فى إدارة الرئيس جورج بوش وصفت أرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل وقتها بأنه رجل سلام، وهو من المتشددين الذين ارتكبوا جرائم ضد الفلسطينيين وكاد يحاكم كمجرم حرب. والسؤال: لماذا؟

إسرائيل ليست دولة طبيعية، وإنما «دولة وظيفية»، دولة صنعها الغرب لها وظيفة دائمة فى المنطقة العربية، والوظيفة الإسرائيلية لها مواصفات لا تتفق وأى سلام عادل قائم على الحقوق، فالسلام العادل يضعف الوظيفة وقد ينهيها..فهذه منطقة يجب ألا يغادرها التوتر وشبح الصراعات، وأن تظل «بركانا شبه خامد» يمكن أن ينشط وتنفجر حممه فى الوقت المراد، ويدعم هذه الرؤية «جماعات ضغط» ذات مكانة وتأثير فى مراكز صنع القرار، جماعات ترى أن بقاء إسرائيل أقوى من جيرانها مرهون بوظيفتها، وأن قوتها تعتمد على دوام ضخ الدم النقى من أسلحة وأموال وقدرات متنوعة من الغرب.

وهذه الرؤية الغربية، الأمريكية بالدرجة الأولى دفعت إسرائيل إلى التشدد فى مفاوضات السلام، فوضعت تصورا خاصا للسلام الذى تريده، وهو السلام مقابل السلام، وليس السلام مقابل الأرض كما عرض العرب، يعنى ألا تعود إسرائيل إلى حدود 4 يونيو 1967، وتظل محتلة الجولان والقدس الشرقية وتحتفظ بالأراضى الفلسطينية التى بنيت عليها مستوطنات جديدة، ولا إعلان دولة فلسطينية، كل هذا دون مقابل سوى توقيعها على معاهدة سلام مع العرب «جمعاء» وعلاقات طبيعية، أى يقبض العرب الهواء فى أيديهم ويظل الفلسطينيون بلا هوية دولية, كما لو أنهم «كائنات فضائية» قادمة من كوكب آخر إلى الأرض، يقال عنهم «فلسطينيون» وكفي.

وحين كتب خبراء وسياسيون غربيون بعض مقالات فى الصحف تستفسر عن أسباب قبول هذا العرض، رد الإسرائيليون «رؤساء وزراء، ووزراء خارجية»، على مدى أكثر من عشرين سنة»، بأن العرب مستعدون لاستمرار المفاوضات مع إسرائيل على هذا الطرح، ولا تقلقوا حتى لو أعلنوا غضبهم منه، فهو غضب مؤقت لن يدوم.

كان سلاما تفرضه القوة لا الحقوق، يملى شروطه خلل التوازن فى القوة العسكرية بين إسرائيل والفلسطينيين، تدعمه أمريكا وحلفاؤها ماديا ومعنويا ودبلوماسيا بلا حدود، حتى إن البعض قد أذعن أمام الضغط الأمريكي، وتجاهل استحالة أن يقبل الفلسطينيون هذا السلام، مهما تكلفوا من دم. ما صنعته حماس، هو «رد فعل» أمام غطرسة عدو أعاق سلاما دائما شبه عادل، وسعى وراء سلام يمنحه شرعية اغتصاب الأرض والحقوق، رد فعل غاضب ويائس بتراكم الجرائم الإسرائيلية، فأدى فى بعضه إلى قتل مدنيين، كما تفعل إسرائيل طول الوقت، ونحن نرفض قتل المدنيين، رد فعل يعود بنا إلى مربع الحقائق وليس الأوهام، إلى أرض الواقع وليس فضاء التطبيع.

وطريق السلام العادل معروف، لكن الحضارة الغربية بلا ضمير!.

اقرأ أيضا:
لغز يناير وحتمية الإخوان الكاذبة!

الكاتب الكبير نبيل عمر يكتب .. لا يا دكتور طارق
نبيل عمر يكتب :ليس مجرد قلة أدب!

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق