لغز يناير وحتمية الإخوان الكاذبة!

563

نبيل عمر

أحيانا أو غالبا يهوى أهل الثقافة ودعاة السياسة إطلاق أسئلة لها شكل براق وجوهر من الغموض، تتيح لهم التفلسف وطرح أفكار مثيرة للجدل، من عينة: ماذا تبقى من ثورة 25 يناير؟، أو هل يمكن أن يعود الإخوان إلى مسرح الحياة المصرية؟!

فى هذه الجدليات تكثر قصائد البكاء على الأطلال والنواح على الفرصة الضائعة التى كانت فى متناول اليد، ولم يفلح الثوار أو المتثورون فى اقتناصها، وهذا لا يعنى أنها أسئلة غير مهمة، بل على العكس تماما، لكن المعضلة فى الإجابات التى فى الغالب تأتى من شباك رؤية خاص جدا، وتكون أقرب للأحلام  دون الواقع.

قطعا الإجابات الآن عن تلك الأسئلة البراقة صعبة ، فقوة الدفع التى صنعت أحداث يناير 2011 لم تفقد طاقتها كليا، وإن ضعفت وقاربت على التلاشى، وما تبقى منها هو مجرد صدى لصخبها.

وأظن وبعض الظن حلال أن ثورة 25 يناير فشلت وانتهت فعليا يوم 18 فبراير 2011، حين أم الشيخ يوسف القرضاوى صلاة الجمعة فى ميدان التحرير عائدا من قطر، وخطب فى الجموع داعيا أن يصلى قريبا فى المسجد الأقصى وأن نسقط الحدود مع غزة، قال ذلك فى وقت مفاصل الدولة المصرية مفككة، وشرايين اقتصادها تنزف وأعصابها ملتهبة، وأمنها الداخلى مباح، أى تحدث فى أمور حرب وسلام وأمن قومى على قارعة الطريق. وما حدث بعد 18 فبراير 2011 إلى 30 يونيو 2013 هى حكايات فى سكة الفشل إلى نهايته، تفاصيل تعرى حجم التشوهات فى البنية السياسية والثقافية والاجتماعية للمجتمع، وهى تشوهات تلد كيانات مبتسرة بالضرورة. بالمناسبة إذا كان الشباب هم الذين بدأوا الغضب فى 25 يناير، بمطالب محدودة، وإن كان لبعضهم ارتباطات بمصالح أجنبية، فالإخوان لم يندفعوا إلى الشوارع إلا عصر الجمعة 28 يناير بعد وصول الأوامر والإشارات، لكن المصريين العاديين وعددهم قارب عشرين مليونا لم ينزلوا بثقلهم إلى ميادين مصر إلا فى 5 فبراير، وهؤلاء هم الذين حولوا المؤامرة إلى ما يشبه الثورة.

باختصار شديد هناك مسافة نفسية وفكرية وسياسية بين ما حدث حتى 18 فبراير، وما جرى بعده، والجمع بينهما خطيئة وخطأ جسيم، سوف تثبته الدراسات التاريخية التى تُكتب من الوثائق وشهود العيان إذا أتيحت فرصة عادلة.

أما الإخوان وحتمية وصولهم إلى قصر الرئاسة كأنه كان أمرا مفروغا منه كالقضاء والقدر  فلا أظنه صحيحا أيضا.

انتخابات الرئاسة فى مصر تختلف كليا عن انتخابات البرلمان، فمنصب الرجل الأول ملكا أو رئيسا، له مهابة ومكانة وتقدير وتاريخ فى نفوس المصريين لا يعادله أى منصب آخر، وفوز التيار الدينى بالأغلبية فى انتخابات مجلسى الشعب والشورى فى نهاية 2011، لم يكن يعنى بالضرورة فوز مرشح الإخوان فى الانتخابات الرئاسية كما تنبأ كثير من المراقبين والسياسيين، ولولا خيانة النخب السياسية المعارضة لتراث الشعب المصرى ما نجح الدكتور محمد مرسى فى انتخابات الرئاسة 2012. بالطبع يبدو كلاما مرسلا يشبه أحاديث جنرالات المقاهى وهم يفتون فى كل شىء فى الوقت الضائع..لكن لو تأملنا التصويت  فى الانتخابات الرئاسية، سواء فى الجولة الأولى أو جولة الإعادة، ربما تتعدل الصورة أو تنحرف يسارا أو يمينا عن وضعها الحالى.. ماذا حدث فى الجولة الأولى مايو 2012؟ انحازت أغلبية الشعب المصرى إلى الدولة المدنية فى منصب الرئيس، على عكس التصويت فى انتخابات البرلمان، إذا حصل أصحاب الإسلام السياسى على نحو 10 ملايين صوت انتخابى من بين 23 مليون مصرى صوتوا فى تلك الجولة..وكان التيار الدينى يمثله الدكتور محمد مرسى والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح والدكتور محمد سليم العوا، ونال الدكتور مرسى وحده أكثر من نصف تلك الأصوات، وهو أمر منطقى للغاية، فأبو الفتوح خارج على الإخوان، وإن كانت له شعبية بين المتشددين دينيا، راجعة إلى دوره البارز فى الجماعة الإسلامية قبل انضمامه إلى الإخوان ، والدكتور محمد سليم العوا بلا أى دور سياسى فى الجماعة وهو أقرب إلى مفكر يكتب فى الإسلام السياسى والقانون أكثر منه كادرا تنظيميا، ولهذا لم يتجاوز 253 ألف صوت. وحاز مرشحو الدولة المدنية على 13 مليون صوت موزعة بين أحمد شفيق وحمدين صباحى وعمرو موسى ونال بقية المرشحين جميعا 300 ألف صوت، وأغلبهم من أحزاب جديدة ربطت نفسها بالثورة قسرا، أى أكثر من أصحاب الذقون بـ 3 ملايين صوت.

إذن أين الأغلبية للتيار الدينى؟

قطعا هم موجودون فى الشارع ولهم تأثير ونفوذ، لكن المزاج العام  كان واقعا فى هوى التراث الذى صنعته ثورة 1919، وإن فسد جزء منه بفعل ضجيج الميكروفونات واستغلال العاطفة الدينية وترك الحبل على الغارب للعقل السلفى عموما. ويبدو أن جماعة الإخوان قرأت هذه النتائج جيدا قبل جولة الإعادة، واكتشفت أن فرصة نجاح محمد مرسى قد تكون صعبة فى مواجهة أحمد شفيق الذى يفترض أنه ينتمى إلى نظام سقط، فالفارق بينهما فى الجولة الأولى لم يزد عن 260 ألف صوت، وهو رقم ضئيل يسهل التعامل معه. وهنا خانت النخبة المعارضة تراث شعبها، واتفقت مع الإخوان على التصويت لهم فى لقاء فيرمونت الشهير، تحت وهم الثورة مستمرة ولماذا لا نجرب الجماعة، وبالفعل حشدوا جهودهم خلف مرسى، ليفوز بفارق أقل من 900 ألف صوت، من 25 مليونا و600 ألف مصرى صوتوا فى تلك الجولة.  لم يكن فوز مرسى حتميا، لكنه كان مفيدا من ناحية أخرى، إذ جنب مصر عنفا مسلسلا كان يمكن أن يشعله التنظيم المسلح للجماعة فى وقت لم تكن الشرطة قد استعادت عافيتها، والفوضى مازالت تطل برأسها وتوسوس فى أدمغة جاهزة وتسعى إليها.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق