نبيل عمر يكتب :ليس مجرد قلة أدب!

242

نبيل عمر    

ماذا نقول عن ألفاظ بذيئة قاسية تصدمنا فى الشارع على ألسنة ناس عابرين أو جالسين على مقهى أو سائقى توكتوك أو فى خناقة شعبية، أو بين صبية يلعبون معا أو شباب واقف على ناصية؟

هل هى حالات فردية حتى لو تعددت أم ظاهرة تخزق عين الشمس؟

والسؤال الأهم: هل هذه الحالات أو الظاهرة انتقلت من أشخاص اعتادوا عليها فى أماكن لا تستحى من التفوه بها إلى أشخاص يستحيل أن نظن بهم اللجوء إليها ولو عفوا؟

ذات مرة فى حوار على الهواء بين مذيع شهير ومنتج سينمائى، وجه المذيع سؤالا اعتبره المنتج مستفزا، فخرج عن وعيه وكسر حدود اللياقة بلفظ فى غاية الوقاحة، يومها قامت الدنيا ورُفعت رايات الغضب والامتعاض، فالكلمة البذيئة لم ترد فى خناقة بلدى أو فى قعدة منزوية أو على ناصية حارة أو سويقة صاخبة، وإنما فى حوار عام مباشر يعلم صاحبها أنه يتحدث أمام المجتمع كله، وبالطبع نُصبت سرادقات عزاء تنعى انهيار الأخلاق، وتدق ناقوس خطر فى سماء حياتنا: هل هذا معقول فى مجتمعنا الذى لا يعرف مثل هذا الخروج على الأخلاق علنا؟

من فرط الخضة تصورنا أن «الواقعة التليفزيونية» ستكون مرحلة فاصلة فى حياتنا، إذ نبهتنا إلى قاع الهوة التى انزلقنا إليها، وحرضتنا على أن ننقذ أنفسنا منها بأى وسيلة، وحَلَقَ سؤال مهم فى عقول أهل مصر: كيف ننقذ الأجيال الجديدة على الأقل؟

وقبل أن نحصل على إجابة أو حتى نتظاهر بالتفتيش عليها بجدية هدأت العاصفة أو بمعنى أدق تبددت فى ضجيج الحياة اليومية، ونسيناها كأنها لم تهب علينا أصلا، فتكررت الألفاظ من شخصيات رياضية تفرش الملاية لخصومها على بعض الشاشات وتهددها ضربا بالحذاء، ثم أتبعها شخصيات فنية واجتماعية لكن بأشكال مختلفة، ربما العبارات الوقحة أخف قليلا، ربما متخفية فى تشبيه أو كناية أو استعارة، أو خلف إشارة يفهمها اللبيب، ويبدو أن هؤلاء كانوا يعبرون عن إحساس متعاظم بالنفوذ الواسع والقدرة الاجتماعية والمالية، ويتجلى فى عدم مبالاة بالقانون واستهتار بالآخرين. هذا فعل خطير على مستقبلنا، وليس مجرد قلة أدب، نار تذيب مكونات الوعى فى المجتمع، وتفسد القيم الإيجابية التى يؤمن بها ويعمل بطاقتها، فتشده من الارتفاع إلى مدارات أعلى فى التنمية والتقدم، إلى مدارات أسفل، والإنسان أى إنسان فى المدار الأسفل تتحكم فيه غرائزه وعواطفه وانفعالاته وانطباعاته وليس عقله. باختصار هذه الألفاظ والعبارات تصنع بيئة مناوئة للتنمية.. أولا: لأنها امتدت من شخصيات لها حيثية إلى الجمهور العادى، وأيضا تخلت تدريجيا من عريها المحدود إلى العرى الكامل، وبالتالى تدفع المجتمع إلى التحلل من روابط وقيود القيم الإيجابية، وتسلمه دون أن يحتاط إلى قيم سلبية تكسب مساحات منتظمة ببطء وتكريس، والقيم ليست الأخلاق، الاخلاق جانب منها، وإنما القيم هى مجموعة القواعد الحاكمة للسلوكيات العامة والخاصة وهى “ قواعد موضوعية” لها أسباب وبيئة وأنماط عمل وليست انطباعية، والأهم هو تأثيرها فى النظام العام الذى يدير حياة الناس وحالتهم الثقافية، وقيم المجتمع المنتج تختلف كليا عن قيم المجتمع المستهلك، فى احترام القانون وتقدير الوقت وحقوق الآخر وإتقان العمل، ولهذا تنمو فى المجتمعات المنتجة قيم جديدة، بينما تستنزف المجتمعات المستهلكة قيمها بالتدريج، ومع تهالك القيم، تنحدر الأخلاق، فهل يمكن لإنسان غير مهذب، قليل الأدب، يعتاد على العيبة وأخلاقه دخان فى الهواء أن يتقن عمله ويحترم الوقت والإبداع والابتكار والمساواة وتكافؤ الفرص وحقوق الآخرين؟

قطعا لا وألف لا..

ثانيا: تصنع ظاهرة شديدة الخطورة، هى لعبة التشويه الشريرة لكل شىء ببراعة مدهشة، الماضى والحاضر، البشر والأماكن، السياسات والأشخاص، الثورة والثورة المضادة، الأجيال القديمة والشباب الصاعد، لا تترك شيئا على حاله، ولا تفترض حسن النيات، دائما سوء الظن وسوء الطوية وسوء التصور هى العناصر الحاكمة لرؤية الآخر المختلف معنا أو المختلف عنا، أو الذى يؤيد سياسيات حكومية أو يعارضها أو يؤيد شخصيات أو يعارضها، ولو راجعنا ما حدث منذ بداية الألفية الجديدة، لن نجد حدثا أو تجمعا أو مسئولا أو شخصا عاما أو سياسة أو عملا أو موقفا لم نرجمه بكل حجارة التشويه، التى يمكن أن نلمها من أقرب خرابة.

وإذا كان بعض وسائل الإعلام اختارات أن تكون “منصات” صاروخية لإلقاء القاذورات، فإن وسائل الاتصال الحديثة من شبكات تواصل اجتماعى ومدونات ومواقع على النت صارت كتائب متقدمة فى رصد الأهداف المطلوبة وتجهيز مسرح العمليات ثم إعلان الحروب القذرة دون توقف.

هل هذا بيئة سليمة لصناعة وعى صحيح؟

هل عمليات التشويه شبه المستمرة تشجع على الاستثمار والعمل الجاد أم تبث حالة من الترقب والمخاوف فى من يريد أن يستثمر ويبتكر جديدا؟

التشويه أشبه بملوثات كثيفة مانعة للرؤية السليمة، تشويش قوى على العقل والفكر، والعقل المعطوب عموما هو أصل التخلف ومصدر الفقر، والعقل ناصع الرؤية هو صانع الحضارة والتنمية، وليس وفرة الموارد الطبيعية وتعدد مصادر الثروة.

والحل؟

قطعا لا نملك ترف دوام هذه الظاهرة، ومن الظلم لنا أن نسكت عليها ولا سبيل أمامنا إلا القانون وتنفيذه بصرامة لنقطع أولا الألسنة البذيئة على الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعى، حتى لو خصصنا لهما قضاء عاجلا، وعدلنا بعض مواد القانون، وهذه مسألة صعبة ومكلفة مع التوسع الجنونى فى القنوات الشخصية على اليوتيوب، لكن لا مفر إذا كنا نريد بناء وعى ومستقبل مختلف.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق