السنوات الأولى لرمسيس الثاني.. كيف تشكّلت شخصية الفرعون الذي غيّر تاريخ مصر؟

0 51

كتبت: د/ سارة غنيم

لم يولد رمسيس الثاني أسطورة كما عرفه التاريخ لاحقاً، بل نشأ طفلاً داخل عائلة صعدت حديثاً إلى الحكم في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ مصر القديمة. وبين أروقة القصر الملكي والتدريب العسكري والطقوس الدينية، تشكلت شخصية الفرعون الذي سيصبح لاحقاً أحد أعظم حكام الدولة الحديثة.

نشأة وسط مرحلة مضطربة

وُلد رمسيس الثاني نحو عام 1303 قبل الميلاد خلال عصر المملكة الحديثة، لوالده الملك سيتي الأول ووالدته الملكة تويا.

ورغم أن عائلته أصبحت لاحقاً من أشهر الأسر الحاكمة في مصر القديمة، فإنها لم تكن تنتمي إلى سلالة ملكية عريقة، بل صعدت إلى السلطة بفضل النفوذ العسكري والكفاءة السياسية، وهو ما جعل قضية “الشرعية” أولوية بالنسبة للأسرة الحاكمة الجديدة.

وجاءت نشأة رمسيس بعد سنوات من الاضطرابات الدينية والسياسية التي شهدتها مصر في عهد أخناتون، ما دفع النخبة الحاكمة إلى التركيز على إعادة الاستقرار وتعزيز النفوذ المصري خارجياً، خاصة في آسيا ومناطق النفوذ الاستراتيجية.

تأثير والده سيتي الأول

كان الملك سيتي الأول حاكماً نشيطاً وقائداً عسكرياً بارزاً، نجح في تأمين الحدود المصرية ومواجهة التهديدات الحثية شمالاً.

وشكّل هذا النموذج الأبوي مدرسة حقيقية لرمسيس الشاب، الذي نشأ وهو يراقب والده يدير شؤون الدولة والحروب، ما رسّخ لديه مبكراً مفهوم السلطة والقوة.

تعليم ملكي يجمع السياسة والدين

تلقى رمسيس تعليماً ملكياً متكاملاً داخل القصر، جمع بين الإدارة والسياسة والعقيدة الدينية والتدريب العسكري.

وفي مصر القديمة، لم يكن الفرعون مجرد حاكم سياسي، بل كان يُنظر إليه باعتباره الضامن لـ”ماعت”، أي التوازن الكوني والاجتماعي والديني للدولة.

ولهذا، تعلم الأمير الصغير الطقوس الدينية والبروتوكولات الرسمية إلى جانب فنون القتال وقيادة العربات الحربية، في إطار إعداد شامل للحكم.

من أمير ثانٍ إلى وريث العرش

لم يكن رمسيس الوريث الأول للعرش، إذ سبقه شقيقه الأكبر نبشاسيتنيبيت، لكن وفاة الأخير في سن مبكرة غيّرت مسار الأحداث.

وعندما كان رمسيس في نحو الرابعة عشرة من عمره، تم تعيينه ولياً للعهد وخليفة رسمياً للأسرة التاسعة عشرة، في خطوة هدفت إلى ضمان استقرار الحكم وتجنب أي صراعات داخلية على السلطة.

ويرى مؤرخون أن هذا القرار المبكر منح رمسيس حضوراً سياسياً قوياً منذ سنوات شبابه الأولى.

الطفل الجندي

حصل رمسيس في سن مبكرة على رتبة عسكرية، ربما كانت رمزية في البداية، لكنها حملت دلالات سياسية مهمة داخل النظام المصري القديم.

ومع مرور الوقت، تحول هذا الدور إلى تدريب حقيقي، إذ بدأ بمرافقة والده في الحملات العسكرية، واكتسب خبرة مباشرة في إدارة الجيوش وفنون الحرب.

وبحلول أوائل العشرينيات من عمره، كان يقود قوات عسكرية بالفعل، في تجربة ساهمت في بناء صورته كقائد قوي قبل اعتلائه العرش.

الدين وصناعة صورة الفرعون

كان للتربية الدينية دور محوري في تشكيل شخصية رمسيس الثاني، حيث نشأ وسط الطقوس الكبرى المرتبطة بالإله آمون والمهرجانات الدينية في طيبة، مثل احتفالات “الأوبت”.

وفي مصر القديمة، كان الدين جزءاً أساسياً من السياسة، لذلك تعلم الأمير منذ صغره كيف يجسد صورة الحاكم المرتبط بالآلهة والحامي لاستمرارية الدولة.

ويفسر ذلك لاحقاً اهتمام رمسيس الضخم ببناء المعابد والتماثيل والنقوش في مختلف أنحاء مصر، حتى لُقّب بـ”ملك البناء”.

فرعون ترك بصمة خالدة

بعد وفاة سيتي الأول، اعتلى رمسيس الثاني العرش وهو في نحو الخامسة والعشرين من عمره، ليبدأ واحداً من أطول وأشهر عهود الحكم في التاريخ المصري القديم.

ورغم نجاحه الكبير، فإن طول فترة حكمه وكثرة أبنائه – الذين تجاوز عددهم المئة – خلقا لاحقاً تعقيدات في مسألة الخلافة داخل الأسرة الملكية.

لكن المؤكد أن السنوات الأولى من حياة رمسيس كانت الأساس الذي صنع شخصية الفرعون الذي تحول إلى رمز خالد في تاريخ مصر القديمة.

اقرأ أيضاً:
كيف كانت الحياة اليومية في مصر القديمة؟ أسرار الطعام والعمل والترفيه قبل آلاف السنين
الكتبة في مصر القديمة.. كيف صنعت الكتابة نخبة الحكم وأقوى مهنة في التاريخ 

Visited 7 times, 7 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق