المخرج والممثل مجدي عبيد لـ”الجمهورية والعالم: الفن هو الفاعل الرئيسي للتنوير

201

حوار د .أمل درويش

 

  • المسرح الملحمي هو الأنسب للشعوب المضطهدة
  • الفن هو الفاعل الرئيسي للتنوير
  • البيروقراطية تحاصر الإبداع وتحد تدفقه

حين تنتقل من حيز الملموس إلي فضاء المحسوس تختل الموازين وتتغير كل المقاييس .. والمخرج الكبير مجدي عبيد  معادلة صعبة في الإبداع، حيث ينفخ في الحروف والكلمات لتتطاير في فضاء الإبداع وتصبح شخصيات، بينما في الطرف الآخر للمعادلة يقف الممثل البارع الذي التقط هذه الطيور فحولّها لواقع نراه ونعيش معه، أبدع وتألق دون تكلف ليحكم قبضته بكل سلاسة وبساطة علي طرفي المعادلة.

يدخل القلوب ببساطته المعهودة حين يقف أمام الكاميرا، تاركا بصمته  عند دور “قطب” في “بدون ذكر أسماء”، ومن منا لم يشعر بالرهبة حينما التقت عيناه بالكاميرا في “الكبريت الأحمر” بينما العلامة الفارقة في مشواره الطويل حيث كانت دوره في مسلسل حديث الصباح والمساء بدور حسين أبو الروس .

وفي حوار لـ “الجمهورية والعالم” يتحدث المخرج والممثل الفنان القدير مجدي عبيد بكل شفافية

  • ما هو الفرق بين المخرج والممثل.. وهل تتدخل في الإخراج عند مشاركتك كممثل..؟

الفارق بين المخرج والممثل جوهري، وإن كان الإثنان مشتركين في العملية الإبداعية، فالممثل أداة التوصيل لوجهة نظر المخرج الذي بدوره هو مؤلف العرض المسرحي وقائده الممسك بكافة تفاصيله.

يقول عبيد، عن نفسي وأنا في موضع الممثل لا أتدخل في وجهة نظر المخرج ولا رؤيته، يتم النقاش أثناء التحضير حول الشخصية و”كركترها” ونسعي إلي تقريب وجهات النظر.

  • من خلال الثقافة الجماهيرية انطلقتم وأخرجتم العديد من الأعمال في ربوع مصر المختلفة .. في أي محافظة لمستم تفاعل الجمهور أكثر واهتمامه بالحضور ومتابعة العروض..؟

تقريبًا معظم الأقاليم في ربوع مصر والمحرومة من وصول الخدمة الثقافية، تستقبل عروض المسرح وتنتظر العروض من كل عام، باعتبار انه عرض واحد في السنة لمدة عشرة ليالي، ولو كان لفرقة قومية “فرقة المحافظة” أو ٧ ليالي عرض لفرقة “قصر الثقافة” فقد تقلصت الآن إلي ٥ ليالي، حيث تستقبل العروض بحضور جماهيري غير مسبوق.

وتابع المخرج والممثل القدير، أقول إن محافظتي “أسيوط وبورسعيد” من أكثر المحافظات التي شهدت فيها حضور طاغي وحشد جماهيرى مبهج لعروض المسرح بها، وتوجد بها نهضة مسرحية وأرض خصبة لميلاد مبدعين في شتي فروع المسرح، من تأليف وديكور وأشعار وألحان وإخراج، فمحافظة أسيوط توجد بها جامعة أسيوط وتوجد بها كذلك نهضة مسرحية، وكذلك بورسعيد لوجود عدة مسارح بها وفرقها المسرحية المتعددة والتي أثرت مسرحنا المصري بمبدعين عظماء مثل “سمير العصفوري، مراد منير” علي سبيل المثال لا الحصر، وكذا ممثلين نجوم   باختصار حيثما يوجد المسرح في الأقاليم تصبح لياليه عرسًا يحتفى به.

  • ما بين المدرسة الوجودية واللا معقول والملحمية “البريخيتية”، وغيرها من مدارس المسرح بماذا تصف تجربتك وأيها تفضل العمل بها..؟

أميل أكثر إلى المسرح الملحمي، وأرى أن منهج بريخت هو الأنسب  للشعوب المضطهدة والتي تعاني من القهر والتسلط.

  • اذا كان الفن مرآة الوطن، وأداة لتثقيف الشعوب والارتقاء بها.. هل ترى أننا حاليًا نسير علي النهج الصحيح..؟

بالتأكيد الفن مرآة للوطن، وهو المقياس الحقيقي لحال الشعوب ومدي رقيها وتخلفها، وهو انعكاس طبيعي للحالة السياسية والاقتصادية والثقافية للمجتمع، ومن خلاله يمكن أن يكون الفاعل الرئيسي في التنوير، وفي ظل التجريف الذي عانينا منه منذ الغزو الثقافي في عصر الانفتاح الاقتصادي حيث تم إفساد الذوق العام بشكل متعمد ليسهل استلاب الشعب، وتسهل قيادته  نحو سياسات جديدة، وما من شيء يتم صدفة .

  • هل ننقل الواقع كما هو أم أننا نقدم ما نتمني أن يكون عليه حال الوطن..؟

الفن بشكل عام ليس بالضرورة أن يكون صورة فوتوغرافية للواقع، وليس دوره الرئيسي أن يقدم حلولاً للمشكلات، فقط يعرضها المبدع من وجهة نظره وثقافته وانتمائه، ويترك للمتلقي الوصول إلي الحلول أو حتي التعرف عليها.

  • البيروقراطية والروتين تقتل الإبداع وتحاصره.. حدثنا عن المعاناة التي يواجهها مسرح الدولة..؟

الإبداع لا يموت.. ولا يستطيع أحد أيًّا كان قتله؛ فهو شلال متدفق طالما المبدع حياً، ويبقي في سيىرته الذاتية حتي بعد مماته.. فقط تحاصره وتحد من تدفقه البيرقراطية ولوائح عقيمة وملاحظات وموانع رقابية ينفذها جيش من الموظفين، الكثير منهم لا يؤمن بضرورة الفن ولا حرية الإبداع والمبدع.

واستطرد الفنان “هذا ما نعانيه دوماً في مسرح الدولة، وعلي الأخص في مسرحنا الإقليمي في الهيئة العامة لقصور الثقافة من تعطيل إجراءات صرف ميزانيات الإنتاج، لدرجة أن الفرق المسرحية والمخرج يستمرون علي ذمة ظهور العرض المسرحي لمدد طويلة قد تتجاوز الستة أشهر ويزيد .

يقول عبيد، بالرغم من الانتهاء من البروفات والتدريبات في انتظار وصول الموافقة بالسماح بصرف الميزانية، في رحلة طويلة ومملة تبدأ بموافقة إدارة المسرح، ومروراً بموظفين قصر الثقافة، ثم مديرية الثقافة بالمحافظة، ومن ثم الإقليم الثقافي التابعة إليه مديرية الثقافة والموقع.

وقد تتوقف الموافقة عندما تصل إلي محطة النهاية في الوحدة الحسابية لخطأ موظف ما في رحلة الأوراق؛ فتعود الأوراق من جديد في دورتها من حيث بدأت، وكذا صرف الأجور للمبدعين صناع العرض، والتي تمر بدورة أصعب، لدرجة أنها قد يفوتها فرصة صرفها قبل انتهاء السنة المالية التي تم فيها تنفيذ العرض، فتتحول إلي ما يسمى بسنوات سابقة، ويتم صرفها من السنة المالية الجديدة، إذا كان هناك ما يسمي “بسماح البند”.

وهذا يعني تقليص وخفض ميزانيات الإنتاج الجديد، أو إلغاء شريحة المسرح في مواقع ثقافية لسداد مديونيات الهيئة للمبدعين، ومن ناحية أخرى إغلاق المسارح بحجة الحماية الأمنية، ليقع المسرح بين فكي الدفاع المدني وموافقة السيد الموظف مدير الموقع علي أن يتم العرض علي مسؤوليته، حتي في الأماكن المفتوحة، وقد يلغي العرض ويتم تسريح الفرقة.

  • وما هي رؤيتكم للتخلص من هذه المعوقات..؟

الحل للخروج من تلك الأزمات المفتعلة البحث عن صيغة مناسبة تمكن إدارة المسرح بالهيئة من التحكم في مخصصاتها المالية، ويصبح الصرف من خلالها وقتما يتم الشروع في إنتاج العرض المسرحي، وعلي الجانب الآخر السعي لفتح المسارح المغلقة، وتجهيزها من قبل الشؤون الهندسية، والوقوف بجانب مبدعيها للبحث وتجهيز فضاءات مسرحية خارج العلبة الإيطالية التقليدية.

  • في ظل التطور الحالي وسرعة التواصل عبر برامج التواصل الاجتماعي، هل فكرت في تقديم عروض مسرحية مباشرة “لايف” عن طريق الانترنت، كما فعل البعض أثناء الحظر الذي فرضته جائحة كورونا وقدموا عروضًا غنائية عبر منصات برامج التواصل..؟

لم أفكر في ذلك، ولم تستهويني فكرة تقديم عروض مسرحية عن طريق الانترنت، لأنني أرى أن المسرح علاقة حميمية بين العرض وجمهوره بشكل مباشر ولحظي .

  • علي الرغم من أن المسرح هو المكان الحقيقي الذي يلمس فيه الممثل رد فعل جماهيره وإعجابهم بأدائه إلا أن جمهوره محدود، ويبقى أقل في الانتشار من التليفزيون.. هل ندمت علي اختيارك وتفضيلك للمسرح عن التليفزيون..؟

لم أندم أبدًا علي اختيارتي وعشقي للمسرح، فهو كان وما زال الحياة بالنسبة لي.

  • علي أي أساس تختار القصة المناسبة لعمل مسرحية..؟

منذ إخراج أول عمل لي في مسرح الثقافة الجماهيرية عام ١٩٨٦ إلي يومنا هذا أختار المشروع الفني الذي يحمل بالأساس هموم الوطن والمواطن، ويحقق التماس مع الفريق المسرحي وجماهيره، ومكان العرض، سواء داخل دار عرض، أو مسرح سرادق أو جرن، أو أي فضاء مسرحي، والحق أقول إن كل عرض قدمته قريب إلي قلبي، طالما مارست فيه عملية التعليم والتعلم، وتحققت لي ولفريق العمل والمشاهد المتعة.

  • “شباك مكسور” آخر مسرحية شاركت في تمثيلها، حدثنا عنها أكثر.. وهل هي إسقاط لما يحدث في عالمنا العربي بعد مروره بفترة ما أطلق عليه الربيع العربي..؟

شباك مكسور آخر عرض مسرحي شرفت بالتمثيل فيه انتاج مسرح الطليعة، بطولة النجمة نادية شكري، وأحمد مختار وعلي كمالو، ومجموعة من شباب المسرحيين عشاق المسرح ودراويشه ومريديه، انصهرنا جميعاً في حالة عشق مع نص المبدعة رشا عبد المنعم، والمخرج الشاب شادي الدالي.

عظمة العرض في تلاقي أجيال مخلتفة من الممثلين، مع فكرة محاولة إصلاح شباك الوطن المكسور الكاشف لعوراتنا جميعاً.

  • شخصية “أبو الروس” في مسلسل حديث الصباح والمساء.. لو عرض عليكم تكرار نفس الشخصية أو استثمارها في أعمال أخري ستوافق..وهل فكرت في تقديمها علي خشبة المسرح من خلال أعمالك المسرحية..؟

أبو الروس والذي بات حديث الصباح والمساء علي مواقع التواصل الاجتماعي، منذ عرض المسلسل لأول مرة في رمضان ٢٠٠١ وحتي اليوم، يرجع الفضل الأول في نجاحه إلي العبقري المرحوم محسن زايد كاتب السيناريو والحوار والمعالجة التليفزيونية، لأن أبو الروس شخصية إنسانية جداً، بغض النظر عن العيب الخلقي الذي ولد به، ولم أفكر في استثمار تلك الشخصية  التي كتبت بعناية فائقة.

بالفعل لم أرغب باستثمار نجاحها  في أية أعمال أخرى، حتي لا تُفرغ من مدلولها الإنساني الراقي برقي العظيم كاتبها، حتي عندما عُرض عليّ استثمارها في حملة إعلانات رفضت بشدة وبشكل قاطع وحاسم.

اقرأ أيضا:
إيمان الهاشمي تحلق في سماءالإبداع..الجمهورية والعالم تحاور أول سيدة تعزف وتلحن وتؤلف أوركسترا بالإمارات
بالفيديو .. إبداعات فنية بأنامل نسائية.. الجمهورية والعالم تحاور الفنانة أماني فكري
” جريدة الجمهورية والعالم ” تحاور الشاعرة والاديبة اللبنانية نسرين بلوط

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق