ألقت تحذيرات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة بظلالها سريعًا على المشهد السياسي، إذ أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مشاركة وفد طهران في المفاوضات المرتقبة مع الولايات المتحدة، التي تنطلق صباح اليوم في سلطنة عُمان، بعد أيام من الترقب والتصعيد الكلامي.
ورغم انطلاق المحادثات، يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى يمكن أن تستمر هذه المفاوضات، وما حدود ما يمكن أن تقبله طهران أو واشنطن؟
الوفد الأمريكي، الذي يضم مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، يدخل المفاوضات بأجندة واضحة وصارمة، تتجاوز الملف النووي إلى مطالب أوسع، تشمل تفكيك البرنامج النووي الإيراني ومنظومة الصواريخ الباليستية، ووقف دعم طهران لحلفائها الإقليميين ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، وعلى رأسهم حزب الله وحماس والحوثيون، إضافة إلى فصائل مسلحة في العراق وأفغانستان.
وتُعد هذه المطالب، من منظور طهران، بمثابة دعوة إلى «استسلام استراتيجي»، إذ تعني عمليًا تجريد إيران من أدوات النفوذ الإقليمي التي بنتها على مدار عقود، وتقويض قدرتها على الردع، لا سيما في مواجهة إسرائيل، فضلًا عن إضعاف تماسك النظام السياسي داخليًا.
في الداخل الإيراني، تتزايد حدة الانقسام بين تيار متشدد يرى في أي تنازل خضوعًا غير مقبول، وفصيل أقرب إلى المرشد الأعلى علي خامنئي، يفضل استثمار المفاوضات لكسب الوقت واحتواء الضغوط الدولية.
غير أن هذا التوازن الهش يواجه خطرًا حقيقيًا مع احتمالات عودة الاحتجاجات الشعبية، حيث قد يؤدي أي قمع دموي جديد بالتزامن مع المفاوضات إلى تدخل أمريكي مباشر.
ورغم إدراك القيادة الإيرانية أن مسار التفاوض قد ينتهي إلى طريق مسدود، فإنها تراهن على استخدامه كورقة سياسية لإرباك الداخل الأمريكي، وزرع الشكوك لدى قاعدة ترامب الانتخابية، التي تميل إلى رفض الحروب الطويلة والمكلفة.
وتسعى طهران إلى تصوير أي مواجهة محتملة باعتبارها صراعًا مفتوحًا يصعب حسمه عسكريًا، وهو ما تخشاه شرائح مؤثرة داخل الولايات المتحدة.
في المقابل، يواجه البيت الأبيض تحديًا إضافيًا يتمثل في موقف الحلفاء الإقليميين. فقد أبدت كل من تركيا وقطر والسعودية والإمارات تحفظًا واضحًا على أي حرب شاملة مع إيران، خشية تداعياتها الأمنية والاقتصادية، وهو ما يعقّد حسابات واشنطن، خاصة في ظل مساعي إحياء اتفاقيات إبراهيم ودفع المرحلة الثانية من الهدنة في غزة.
وبين ضغوط الداخل الإيراني، وحسابات واشنطن الانتخابية، وتحفظات الحلفاء الإقليميين، تتحول مفاوضات عُمان إلى لغز سياسي معقد، يمنح طهران هامش مناورة أخيرًا، وإن كان هشًا، في مواجهة تصعيد يبدو أن احتمالاته لا تزال قائمة.
اقرأ أيضا:
من الثورة إلى الغليان: هل تقترب الجمهورية الإسلامية من نهايتها؟
إيران وواشنطن على حافة الصفقة أو الحرب: مفاوضات إسطنبول تعيد الملف النووي إلى الواجهة