جزيرة خارك الإيرانية: نقطة صغيرة على الخريطة تتحكم في شريان النفط الإيراني
خارك.. جزيرة التاريخ والنفط التي قد تشعل مواجهة كبرى في الخليج
جزيرة خارك الإيرانية: نقطة صغيرة على الخريطة تتحكم في شريان النفط الإيراني
كتبت: بريجيت محمد
هناك أماكن في العالم لا يعرفها معظم الناس إلا عندما تصبح فجأة في قلب حدث كبير. ومن بين هذه الأماكن جزيرة خارك الإيرانية، وهي جزيرة صغيرة في الخليج العربي لا يتجاوز طولها ثماني كيلومترات وعرضها أربعة كيلومترات، وتقع على بعد نحو 25 كيلومتراً من الساحل الإيراني وقرابة 483 كيلومتراً شمال غرب مضيق هرمز.
ورغم صغر مساحتها وصعوبة العثور عليها حتى عبر خرائط الإنترنت دون معرفة موقعها مسبقاً، فإن هذه الجزيرة تمثل أحد أهم مفاتيح الاقتصاد الإيراني، بل تؤثر بشكل مباشر في سوق الطاقة العالمي.
شريان النفط الإيراني
تقع جزيرة خارك في محافظة بوشهر جنوب إيران، وتتميز بميزة جغرافية نادرة في الخليج العربي: عمق المياه المحيطة بها.
فبينما تتسم معظم السواحل الإيرانية بضحالة المياه التي تعيق رسو ناقلات النفط العملاقة، تتيح الأعماق القريبة من الجزيرة استقبال هذه السفن بسهولة.
وبفضل هذه الميزة، تضم الجزيرة محطة نفطية ضخمة قادرة على تحميل ما يصل إلى عشر ناقلات نفط عملاقة في وقت واحد.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية تمر عبر هذه الجزيرة، ويذهب القسم الأكبر منها إلى الصين.
لهذا السبب توصف خارك غالباً بأنها الرئة الاقتصادية لإيران، إذ إن تعطيلها قد يؤدي إلى خنق الصادرات النفطية التي يعتمد عليها الاقتصاد الإيراني بشكل أساسي.
تاريخ يمتد لآلاف السنين
لا تقتصر أهمية الجزيرة على النفط فقط، إذ تحمل خارك تاريخاً عريقاً يمتد لآلاف السنين. وتشير الدراسات الأثرية إلى أن أقدم آثار الاستيطان فيها تعود إلى نحو ثلاثة آلاف عام.
وفي العصر الأخميني، يقال إن داريوس الأكبر أمر ببناء قاعدة بحرية على الجزيرة لتعزيز الأسطول الفارسي بعد حملاته العسكرية في المنطقة.
ولا تزال قبور صخرية تعود إلى تلك الفترة موجودة حتى اليوم، وتُظهر طرازاً معمارياً يذكّر بأساليب الدفن في مدينة تدمر القديمة.
كما تحتوي الجزيرة على بقايا دير مسيحي يُعتقد أنه يعود إلى كنيسة المشرق بعد القرن السابع الميلادي، ويعد من أبرز المواقع الأثرية المسيحية في منطقة الخليج.

بصمات أوروبية في الخليج
في القرن الثامن عشر، وتحديداً عام 1753، أسست الإمبراطورية الهولندية مركزاً تجارياً وحصناً في الجزيرة بعد حصولها على حق السيطرة عليها مقابل هدية مالية قُدرت بنحو ألفي روبية.
غير أن وجود الهولنديين لم يدم طويلاً، إذ طُردوا من الجزيرة عام 1766.
ومع ذلك، ما تزال مقبرة هولندية قائمة حتى اليوم، تضم شواهد قبور أوروبية وسط منشآت النفط الحديثة.
طبيعة فريدة وسط منشآت النفط
تعد خارك أيضاً من الجزر النادرة في الخليج العربي التي تحتوي على مياه عذبة طبيعية مخزنة داخل الصخور الجيرية المسامية. وقد سمحت هذه الميزة بوجود حياة برية على الجزيرة، من بينها قطعان من الغزلان التي لا تزال تعيش هناك حتى اليوم.
وهكذا تجمع الجزيرة بين عناصر تبدو متناقضة: آثار فارسية قديمة، دير مسيحي، مقبرة أوروبية، حياة برية، وفي الوقت نفسه واحدة من أهم محطات تصدير النفط في العالم.
هدف عسكري في الماضي
خلال الحرب الإيرانية العراقية (1980–1988) كانت خارك هدفاً استراتيجياً للهجمات العسكرية. ففي عام 1986 تعرضت الجزيرة لقصف عراقي مكثف أدى إلى تدمير أجزاء كبيرة من بنيتها التحتية النفطية.
لكن إيران أعادت بناء المنشآت تدريجياً، واستعادت الجزيرة دورها الحيوي في تصدير النفط، لتصل طاقتها الإنتاجية لاحقاً إلى نحو أربعة ملايين برميل يومياً.
تصاعد التوترات حول الجزيرة
مع تصاعد التوترات الإقليمية، عادت خارك إلى دائرة الاهتمام الدولي.
فقد صرّح الجنرال الأمريكي المتقاعد كيث كيلوج بأن السيطرة على الجزيرة أو تعطيلها قد يؤثر بشكل كبير على الاقتصاد الإيراني، نظراً لاعتماد معظم صادرات النفط عليها.
كما أشارت تقارير إعلامية إلى نقاشات محتملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول استهداف البنية النفطية الإيرانية، في سيناريو قد يمنح واشنطن ورقة ضغط قوية في أي مفاوضات مستقبلية مع طهران.
لكن مثل هذه الخطوة تنطوي على مخاطر كبيرة، إذ قد تؤدي إلى تصعيد عسكري واسع يشمل استخدام الألغام البحرية والطائرات المسيرة والهجمات على السفن في المنطقة.
تأثير عالمي محتمل
تلعب الجزيرة أيضاً دوراً في شبكات التجارة النفطية غير المباشرة التي تستخدمها إيران لتجاوز العقوبات.
ففي كثير من الحالات تنطلق ناقلات النفط من خارك بعد إيقاف أجهزة التتبع، ثم تُفرغ شحناتها في موانئ مثل ماليزيا أو سنغافورة قبل نقلها إلى الصين.
ويحذر خبراء الطاقة من أن أي هجوم على الجزيرة قد يؤدي إلى اضطراب كبير في الإمدادات، ما قد يدفع أسعار النفط العالمية إلى الارتفاع.
وتشير التقديرات إلى أن مجرد الحديث عن تهديد محتمل للجزيرة قد يدفع أسعار النفط إلى الاقتراب من 90 دولاراً للبرميل.
وهكذا، رغم صغر مساحتها، تبقى جزيرة خارك نقطة استراتيجية حساسة في خريطة الطاقة العالمية، حيث يمكن لجزيرة لا تتجاوز بضعة كيلومترات أن تؤثر في اقتصاد دولة بأكملها وفي أسعار الطاقة حول العالم.
اقرأ أيضا:
إمبراطورية عقارية ونفوذ سياسي.. من هو مجتبى خامنئي خليفة المرشد؟