طهران تختبر الجيران بالنار… والخليج في مأزق القرار
بين واشنطن وطهران: دول الخليج تدفع ثمن الجغرافيا
حرب أم سلام؟ الملكيات السنية عند مفترق طرق
كتبت: بريجيت محمد
تشهد منطقة الخليج حالة من الانقسام الحاد بين خيار المواجهة وخيار التهدئة، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية. فبينما تبدو إيران أكثر وضوحًا في استراتيجيتها، تعكس كثافة الضربات التي نُفذت منذ بداية الأزمة — والتي تجاوزت 5,609 هجمات، منها 4,422 طائرة مسيّرة انتحارية و1,187 صاروخًا — نهجًا يقوم على الضغط المستمر واستنزاف الخصوم.
هذه الأرقام تكشف عن استراتيجية “الاحتكاك” التي تعتمدها طهران تجاه جيرانها، بما في ذلك الدول التي كانت تحتفظ معها بعلاقات جيدة.
إذ تسعى إيران إلى معاقبة الدول المستضيفة للقواعد الأمريكية، واستثمار اللحظة لإعادة تشكيل موازين القوى، خصوصًا عبر التحكم في حركة الملاحة في مضيق هرمز، بما يمهد لفرض نظام إقليمي جديد تتبوأ فيه موقع الهيمنة، مستفيدة من قدراتها العسكرية وموقعها الجغرافي.
في المقابل، تختلف مواقف دول الخليج. فقد سمحت السعودية باستخدام منشآتها من قبل الولايات المتحدة، رغم تأكيدها أن مجالها الجوي لن يُستخدم لشن هجمات مباشرة.
غير أن تصريحات لاحقة حملت نبرة أكثر حدة، وسط تكهنات غير مؤكدة بشأن دعمها لعمليات هجومية تستهدف إضعاف النظام الإيراني.
أما الإمارات، فقد تبنت موقفًا مماثلًا من حيث الحزم، إذ أدانت ما وصفته بـ”العدوان الإيراني”، واعتبرت أن طهران باتت تمثل تهديدًا مباشرًا لأمن المنطقة، في ظل اتهامات بخداع جيرانها.
وتشترك الرياض وأبوظبي في القلق من أن أي هدنة محتملة قد تصب في مصلحة إيران، خاصة بعد وقوفهما إلى جانب المحور الأمريكي–الإسرائيلي.
ورغم هذا التشدد، تدرك القيادتان في السعودية والإمارات أن أي تدخل مباشر قد يفتح الباب أمام هجمات أوسع على أراضيهما وبنيتهما التحتية، فضلًا عن خطر تصعيد من قبل الحوثيين في اليمن، الذين أثبتوا سابقًا قدرتهم على تهديد العمق الخليجي.
وتدعم البحرين هذا التوجه المتشدد، مدفوعة بتحديات داخلية وأمنية، أبرزها التركيبة السكانية الحساسة والتعرض المتكرر للهجمات.
في المقابل، تميل كل من عُمان وقطر والكويت إلى نهج أكثر حذرًا، يوازن بين تجنب التصعيد والحفاظ على العلاقات.
فقد دعت مسقط إلى التحقيق في الهجمات التي استهدفت ميناء صلالة، في موقف يعكس تمسكها بسياسة الحوار، حتى مع الأخذ بعين الاعتبار نفي طهران لمسؤوليتها.
أما قطر، فتجد نفسها في وضع معقد؛ فهي تستضيف واحدة من أكبر القواعد الأمريكية في المنطقة، وتتمتع بعلاقات وثيقة مع واشنطن، لكنها في الوقت ذاته ليست بمنأى عن الردود الإيرانية، كما أظهرت الهجمات الأخيرة بالطائرات المسيّرة.
وبشكل عام، لا تبدو هذه الدول الثلاث قادرة على إعادة رسم تحالفاتها جذريًا، لكنها تسعى إلى تنويع شراكاتها الدولية، خصوصًا مع أوروبا وتركيا، بالتوازي مع محاولة إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع إيران.
في ظل هذا المشهد المعقد، تبقى الخيارات مفتوحة على احتمالات متعددة، حيث يعتمد مسار الأزمة بشكل كبير على قرارات الأطراف الإقليمية والدولية، في توازن دقيق بين الردع والتصعيد من جهة، والحوار واحتواء التوتر من جهة أخرى.
اقرأ أيضا:
صحف إيطالية: السيسي يقود دبلوماسية نشطة لاحتواء التوترات الإقليمية