أ.د/ جودة مبروك محمد يكتب: كتاب النصوص يُخَطِّئُ أمير الشعراء

330

قد يبدو لنا في العصر الحديث أن الإشارة إلى خطإ قد يقع في شعر شاعرٍ على أنه من المستبعد حدوثه، أي الخطأ، ولكن هذا ما اعتدنا عليه منذ عصور الفصاحة، فقد كان علماء اللغة يخطئون الفرزدق وغيره، ولا تخلو المحتويات التعليمية في التعليم العام أو الجامعة من قريب من هذا، خاصة الكتب الخارجية، فقد أثيرت بين المشتغلين بالتدريس في المرحلة الإعدادية شبهةٌ حول بيت قاله شوقي في قصيدة وردت في مادة اللغة العربية،  في كتاب الصف الثالث الإعدادي، فقد أصرَّ واضعو المحتوى لكتاب النصوص (الكتاب الخارجي) من توجيه اتهامٍ لأمير الشعر أحمد شوقي وتخطئته في قوله:

أنا من بدَّل بالكُتْبِ الصِّحابَا     لم أجدْ لي وافِيًا إلا الكتابَا

ودليل التخطئة عندهم أن الباء دخلت على ((الكُتْبِ))، وكان حقها أن تدخل على الصحاب وهو المتروك؛ لأن الشاعر يريد أنه اختار الكتب، وترك الصحاب.

وأعتقد أن هذا ليس هذا من تمام الصواب، وكان بإمكانهم تدارك الموقف بذكر عبارة أنه المشهور دخول الباء على المتروك، وأذكر أنه قديما كان العلماء يذهبون إلى التقليل من أخطاء الآخرين، لسعة العربية، وجواز وجوهٍ كثيرة، قد لا يدركها المصوِّب، أو أنه لم يُحِطْ بها علمًا.

وإذا رجعنا إلى التراث العربي، نصوص الفصحاء وأقوال العلماء، فقد تناولت المعاجم القديمة والحديثة ذلك، وأجازته، كما ورد في استعمال كبار الشعراء من أمثال المتنبي وأبي تمام وأبي العلاء المعري، وفصحاء العرب قبلهم، بذلك نجد أننا ظلمنا أحمد شوقي في رميه بالخطإ، فإذا كان المشهور عند علماء اللغة دخول الباء على المتروك، فلا مانع عند بعض ثقات العربية من دخولها على المأخوذ، ويبرأ شوقي بذلك مما اتُّهِمَ به.

لقد أزالت لجنة الأصول بمجمع اللغة العربية بالقاهرة هذا الخلاف، وحسمت أمره، ففي عام 1977م جاءت التوصية ((ينص كثير من اللغويين على أن (باء البدل) لا تدخل إلا على المتروك، وهناك من ثقاتهم من يقول إنها كذلك تدخل على المأخوذ، كما جاء في المصباح المنير ومختار الصحاح وتاج العروس. وترى اللجنة أن (باء البدل) يجوز دخولها على المتروك أو على المأخوذ، والمدار في تعيين ذلك السياق)).

فكيف يكون للجنة الأصول بالمجمع اللغوي قد اتخذت قرارها بحسم ذلك الأمر وإنهاء حالة الجدل حول هذه الباء منذ ما يقرب من خمسين عامًا، ثم نأتي في كتبنا الدراسية ونخالف ما انتهى إليه الأمر.

ليس هذا فحسب، بل إن هذا الرأي جاء بناء على قراءة واعية لنصوص العربية القديمة التي جوَّزت ذلك، فقد تقدم العلامة الكبير المرحوم المرحوم عباس حسن، عضو مجمع اللغة العربية في القاهرة ببحث حول هذا الأمر عرض فيها لطائفة من أقوال اللغويين، التي تفيد عدم لزوم دخول الباء على المتروك، كما تقتضي القاعدة المشهورة، وهذا تم تسجيله في كتاب الألفاظ والأساليب [ص 36، 37]، ولم يكتف بهذا فقد ذكر رأيه في النحو الوافي [الجزء الثاني صفحة 491].

إن أحمد شوقي ظاهرة حضارية وقيمة إبداعية في فنون القول، فما كان ينبغي التعرض لشعره بالخطأ بهذه السهولة دون نظرٍ وتدقيق في التراث العربي، ودراسة ما يجوز وما لا يجوز؛ لأمرين: الأول: احترام خصوصية المبدع، والثاني لجمهور المتلقين لهذا النقد، فإنهم يمثلون مستقبل بلادنا، ويجب حينئذ مراجعة الكتب الدراسية والتآليف المختلفة (حتى وإن كانت كتبًا خارجية) في مجالات العلم والمعرفة من قبل لجان من المتخصصين في مجالات اللغويات قبل اعتمادها مقررًا دراسيًّا، ولا ينبغي أن يكمن الأمر في إطار المراجعة التربوية، فاللغة العربية تحمل أسرارًا لا يدركها إلا الغواص في بحرها.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق