الكاتب الكبير نبيل عمر يكتب :سؤال سميحة أيوب وأصل الأزمة

164

نبيل عمر

تعجبت الفنانة سميحة أيوب من الضجة التى صاحبت النية فى إنتاج مسرحية المومس الفاضلة، ولم تفهم أسباب رد الفعل الغاضب عليها، لأن المسرحية نفسها عرضت لثلاثة أشهر فى مصر الستينيات، ولعبت فيها السيدة سميحة دور «ليزى»،  ولم تقم الدنيا وقتها، ولم يهرع مشاهدوها الرجال إلى الشوارع سعيا وراء الغانيات، ولم تتخذها النساء مثلا يحتذى، فماذا حدث فى ستين سنة وأفزعنا من اسم المسرحية فى عصر يتقدم وفكر يتسع؟

يبدو تعجب الفنانة سميحة أيوب للوهلة الأولى مجرد استنكار، لكن لو قلبنا العبارة على جوانبها المختلفة، نجد أنفسنا أمام سؤال حضارى، لا يخص اسم مسرحية تأذت منه مشاعر عضو برلمان، فاحمر وجهه خجلا، وخشى على مجتمعه من فتنة «المومس الفاضلة» فاستنجد بطلب إحاطة عاجل، والسؤال هو: هل نحن جادون حقا فى صناعة مجتمع متقدم لا يخيفه اسم مسرحية أو مشاهد فيلم أو كلمات أغنية؟

بالطبع لا حرية مطلقة، وأى حرية لها حدود تتحرك فيها، بشرط أن تكون حدودا موحدة وليست حسب مزاج شخص أو ثقافة جماعة أو رؤية فئة، وهى القانون ولا غير القانون.. دعونا من المسرحية، وهى ليست عن البغاء، ولكن عن العدالة وقيمة الإنسان، أيا كان لونه أو وضعه الاجتماعى، وتعالوا نمد السؤال على استقامته: لماذا يتحرك العالم ويقاتل فى سبيل الارتقاء والتطور ونحن واقفون غاضبون نصرخ ونهدر الوقت والفرص، ونتجادل فى موضوعات تعفنت فعلا؟

هل يعقل أن نتصور أن اسم مسرحية خطر على أجيالنا فى عالم مفتوح بلا أسوار أو أسرار، يرى فيه كل شخص ما يفعله الآخرون لحظة بلحظة، سواء كانت أفعالا مهذبة أو منحطة؟

نعم يعقل وعادى جدا، لأننا لا نعيش عصرنا بمعناه العقلى والفكرى والمعرفى، وإنما بعقل معطوب وفكر قديم ومعارف نحفظ منها الجزء العملى فقط الذى نستخدمه وظيفيا ، دون أن نعمل بجوهرها.

وللأسف هذه أزمتنا منذ تجربة محمد على باشا فى البعثات والتنوير والتحديث حتى الآن، شريحة ضئيلة من المجتمع هى التى تنتقل من القرون الوسطى إلى العصر الحديث انتقالا صحيحا، والنقلة ليست فى أن نركب سيارة احدث موديل أو نسكن برجا عاليا، أو نحلق فى طائرة خاصة أو نرطن بلغة أجنبية، أو نتحدث فى موبايل ذكى أو..الخ. التحديث الصحيح هو فى العقل والكيفية التى يعمل بها فى أى قرار يتخذه، ولا يمكن تحديث مجتمع يواظب على التنمية المستدامة والتحليق عاليا والدخول فى منافسة مع عالم شرس، دون صناعة عقل جمعى اعتاد على التفكير العلمى المنظم. ولم يحدث أن تمتعت مصر بهذا العقل العصرى فى أى فترة، منذ محمد على، فقط تصنع شريحة منه، شريحة تتسع وتضيق حسبما تسمح الظروف والأوضاع السياسية والاقتصادية..وقد تمكنت هذه الشريحة فى عصر محمد على من دفع مصر إلى الأمام فى مدارك الحضارة الحديثة، لكن استحال عليها أن تكمل المسيرة إلى نهايتها، ليس بسبب المؤامرات والدخول فى مغامرات خارجية تفوق قدرات مصر الاقتصادية فحسب، لكن لأن بقية المجتمع وهو الأغلبية كان مثل مرساة سفينة غارزة فى طين القرون الوسطى ثقافيا وعقليا، تعوق تحررها الكامل والإبحار إلى المياه المفتوحة، ولم يكن فى تخطيط محمد على أن ينتشل هذه الأغلبية من القاع، متخيلا أن الشريحة الضئيلة التى أسسها كافية لصناعة ما يطمح إليه، وفاته أن أوروبا لم تخرج من الكهف وسيطرة رجال الدين إلى حضارتها المتقدمة إلا بعد أن بنت ثقافة جديدة وعقلا جديدا للأغلبية وليس لقلة متميزة فيها، المتميزون فقط هم الذين يوقدون المشاعل ويقودون قطار المجتمع على قضبان التقدم، ويحافظون على سلامته من الحوادث ويعبرون به المنحنيات بسلاسة وأمان، لكن قطارا دون ركاب على نفس الشغف العقلى سيكون قطارا للخاصة ولن يلحق به عموم الناس، وسيظل المجتمع بين قلة عقلها فى عصر وكثرة عقلها فى عصر سابق. عموما ما أحدثه العقل الجديد فى مصر كان ملحوظا، فعدد السكان قليل، والمنطقة كلها غارقة فى الظلام العثمانى، فسطعت بقعة النور المصرية سطوعا باهرا. ومضت مصر على هذا المنوال طول تاريخها، يوسع الخديو إسماعيل مساحة العقل الجديد، ثم تفتح ثورة 1919 الأبواب على مصراعيها وتتراكم فيها منذ نهاية القرن التاسع عشر كوكبة هائلة من العقول المبدعة اللامعة فى جميع المجالات المعرفية والثقافية، لكن مرساة السفينة مازالت تعمل، فغالبية المصريين لم يذهبوا إلى المدارس، فظل تأثير هذه الكوكبة محدودا على كتلة المجتمع الأكبر، صحيح أن شريحة العقول الجديدة زادت، لكن محدودية عددها بالنسبة لجموع السكان لم تكن كافية لجرجرة المجتمع كله خلفها، فى مواجهة تشبث جماعات التخلف بما عاشت عليه، وصحيح أن التعليم الثانوى أصبح مجانيا فى أوائل الخمسينيات ثم الجامعى بعدها، لكن مصر لم تعمل حسابها فى كيفية تمويله بكفاءة تحافظ عليه، فساءت المدارس والمدرسون والمناهج، وصار التعليم مجرد شهادة ، وليس بناء عقل جديد يقطع الصلة بأساليب التفكير فى القرون الوسطى.

وكان طبيعيا أن تنزل النساء إلى الشوارع فى ثورة 1919 وتكسر بعضا من التقاليد البالية، ثم تعود إلى النقاب بعد خمسين سنة، لأن العقل الجمعى لم يتغير تغييرا حقيقيا ولم ينطلق إلى العصر الحديث إلا فى المظاهر والاستهلاك فقط.

باختصار بناء العقل الجمعى بمواصفات العصر هو الحل مهما أخذ من وقت فى التعليم وأنفقنا  عليه من أموال، وإلا سنظل ندور فى الفراغ ويفزعنا اسم مسرحية، ويمكن للإعلام أن يختصر لنا بعض الوقت إذا كان مدركا لطبيعة العصر وقادرا على الجمع  بين الجدية والجاذبية، بين المعرفة والترفيه.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق