الكاتب الكبير نبيل عمر يكتب :حوار مع نساء غاضبات

482

ماذا تفعل حين توقعك المصادفة فى «جلسة» مع الجنس اللطيف الغاضب وتهب منهن عاصفة «هجاء وذم» فى الرجال؟

ضحكت وقلت لهن: قليل من التسامح يصلح الأحوال، وكثير من التفاهم يعالج الجروج، والنساء لسن ملائكة ترفرف بأجنحة بيضاء، فيهن من ينفثن النار وقلوبهن أسود من قرن الخروب، الإنسان عموما هو أعقد ألغاز الكون، والنفس بحر عميق الأغوار تنمو فيها كل أنواع المشاعر، تتحور وتتشكل حسب التيارات، ولا يمكن تعميم السمات النفسية والأخلاقية، فالسجون أيضا ممتلئة بقاتلات وفاسدات ونصابات وخائنات..وهذا لا يعنى أن النساء أشرار أو حتى غاويات نكد كما يظهرن فى كثير من أفلام السينما وأحاديث الرجال الخاصة، الحياة خلطة من مليون شكل ولون، صعود وهبوط، نعيم وجحيم، فلفل ومانجة، ابتسام وبكاء، سعة وضيق..والشاطر هو الذى يستطيع أن يدبر أموره ويتصالح معها ويقلل من تأثير الأعراض الجانبية لتقلباتها على أيامه ومزاجه العام..سواء كان رجلا أو امرأة.

قالت إحداهن وهى موظفة مرموقة: نحن نتحدث عن ظاهرة أفرزتها ثقافة عامة، يلخصها المثل الشائع «ظل رجل ولا ظل حائط»، فباتت الصورة الذهنية الأكثر انتشارا هى أن العائلة الصحيحة والمجتمع السليم لا يقوم إلا بسيطرة الرجال التامة على نسائهن، سواء أخته أو زوجته أو ابنته ..ألخ. هدأت محدثتى ثم سألت: هل رأيت مسلسل «أجازة مفتوحة» الذى يعرض حاليا؟

اعترضت: ليس معقولا أن نحكم على حياتنا وتصرفاتنا من مسلسلات التليفزيون!

ردت: لا أحكم بأحداث المسلسل ..لكن كاتبه رجل، مهما شطح خياله أو ابتكر مواقف أو كتب حوارات، كلها فى النهاية وليدة ثقافة اجتماعية معششة فى دماغه، سواء كان يؤمن بها أو يعترض عليها ويدعو إلى تغييرها..مثلا الزوج عبد الرحيم لم يتوقف عن محاولات إخضاع زوجته لأفكاره ومفاهيمه بالزعيق والشخط إلى حد الإهانة مع أنها طبيبة، وأيضا يشك فيها وهى بنت عمه ويعرفها منذ نعومة أظافرها، لمجرد كلام سمعه، وفى الوقت نفسه الزوج شريف يخون زوجته عمدا وليس مجرد لحظة زلل ناتجة عن ضعف إنسانى عارض،  فكان سهلا أن تكتشفه وتطلب الطلاق منه..هذه ثقافة وتقاليد..وليست مجرد أخطاء عابرة.

سكتت ثم قالت: عندى شغالة فى البيت، زوجها من أصحاب الحرف المطلوبة فى السوق يعمل يوما ويبطل خمسة، وهمه أن يأخذ فلوسها بالضرب، ويصرفها على المقهى والكيف، ونصحتها أن تقدم فيه بلاغا إلى الشرطة لما جاءت مرة زرقاء العينين من لكمة فى وجهها، رفضت وتعللت بأنه أبو العيال مع أنه لا يصرف عليهم. قالت أستاذة أخرى وهى محامية لها صيت: هل تعرف سبب ارتفاع نسبة العنوسة فى الطبقات الوسطى العليا وما فوقها، بنات مثل الورد، عائلة وجمال وعمل ولا زواج وتجاوزن الثلاثين؟ هززت رأسى مندهشا.

أجابت: لى موكل رجل أعمال شديد الثراء، ابنته الوحيدة خريجة إدارة أعمال من الجامعة الأمريكية، وماجستير فى الاقتصاد، خبيرة فى أعمال البورصة، يفترض أن يقف على بابها طابور من الخُطاب وهى تؤمر وتتشرط، طبعا جاءها البعض، رجال أقل منها وعيا وثقافة وشخصية، وبعضهم بعد أن جلس معها تراجع، معتذرا بأن شخصيتها قوية وهو عايز واحدة تسمع الكلام دون مناقشة ولا غَلَبة. ولى صديق خطب ابنه بنت صديق مشترك، هذه الابنة تدير بكفاءة أعمال أبيها التى يتجاوز رأسمالها 3 مليارات جنيه، وبعد فترة فُسخت الخطوبة فسألت الخطيب، فرد: ناجحة جدا وجادة وشخصية قيادية، أنا عايز حريم زى بتوع زمان.

قلت: مجرد نماذج، وأعرف كثرة من الرجال متزوجين من نساء ناجحات جدا فى أعمالهن، وهم الذين ساعدوهن على التفوق، ولا يقترب أى منهم من فلوس زوجته، وإذا أنفقت الزوجة من جيبها فهو حسب رغبتها ودون تدخل من زوجها.

ثم سَأَلَتْ: هل رأيت ما يحدث فى محاكم الأسرة من مهازل أو قرأت بعض ملفات قضايا الخلع؟

أجبت: بالقطع مهازل مشتركة، لكن شيطنة الرجال فقط هو رأى شاطط وغير صحيح، كما أن عبارة الشيطان لعبته المرأة غير صحيحة وفكرة منحطة، لا توجد دراسة فى العالم انتهت إلى أفضلية جنس على جنس فى العلاقات الإنسانية، الحياة تحكمها دوما ظروف وبيئة وخبايا نفسية وضغوط متغيرة، يستجيب لها الرجال والنساء بدرجات متفاوتة، باختلاف الوقائع والقيم الراسخة والثقافة، وقضايا الطلاق أو الخلع سببها حسب دراسات مؤكدة هو الاختيار السيىء لشريك الحياة من البداية، فلا تتحقق توقعات  ينتظرها كل طرف من الطرف الآخر، وتتوسع الفجوة بين التوقعات والواقع نتيجة قلة التواصل بين الطرفين، تهافت قواعد القبول والمسئولية المشتركة، انهيار إحساس الزوجة بالأمان، الغيرة، ضعف الثقة والاحترام، عدم القدرة على التكيف مع الضغوط الداخلية والخارجية،الإساءة الجسدية ولو بالأقوال، الاختلاف الشديد حول الشئون المالية والثروة، عدم تلبية الاحتياجات المختلفة، علاقات خارج مؤسسة الزواج، تدخل الأمهات والآباء فى حياة أولادهم العائلية، التغيير المفاجئ فى وضع طرف من الطرفين (ثروة أو سلطة)، ضغوط من زواج سابق (أولاد من زوج أو زوجة أخرى)، نفقة باهظة..الخ.

فى نفس واحد سألت الجالسات: والحل؟

قلت: الزواج قارب فى بحر الحياة المتلاطم الأمواج، سلامته مشروطة بأن التعاون فيه أكثر من الصراع، التوافق أكثر من التنافس، الاحترام أكثر من الخوف، الود أكثر من الحب، التفاهم أكثر من التناقض، الثقة أكثر من المصلحة، وعلى رأى الكاتبة الأمريكية المعروفة هيلين كلير: أحسن الأشياء وأجملها فى العالم قد لا ترى بالعين ولا تُلمس، وإنما تحس بالقلب. ومفتاح الأبواب المغلقة هو أن نبحث عما يسعدنا معا، وأن نتسامح، وأن نعلم بعضنا بعضا أن التواصل والفهم أفضل مليون مرة من النكد والتربص.

اقرأ أيضا للكاتب: إعلام العقل الغوغائى له تاريخ

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق