وما زال الفنان عبد الوارث عسر مرجعًا في فن الإلقاء

546

بقلم / أ.د/ جودة مبروك محمد

الأداء للممثل لا يكون بالصوت وحده، وإنما تشاركه لغة الملامح والجسد، وما اللحن في الغناء سوى التعبير الموسيقي عن المعاني.

يوضح الفنان القدير عبد الوارث عسر فن الإلقاء  بأنه: ((فن النطق بالكلام على صورة توضح ألفاظه ومعانيه))، فهو امتلاك المتحدث القدرة على إبانة الأصوات وتوصيلها إلى الجمهور، ويدعمه الفنان القدير جلال الشرقاوي في تمييزه للممثل الكفء بأنه الذي يتمكن الأصم العجوز في آخر المسرح من سماع صوت الممثل على خشبة المسرح، وهذا ليس بالأمر الهيِّن، فإنه يتطلب دراسة لمخارج الحروف والإلمام بصفاتها حتى يأخذ كل حرفٍ حقه ومستحقه من المخرج المتفق عليه من قبل علماء الأصوات، بحيث لا يلتبس حرف بحرف، فيحدث لبس بانتقال معنى الكلمة إلى كلمة أخرى.

الإلقاء طريقة خاصة لقارئ النص حتى يتلفظ بلسانه وتعبيراته الحركية الصادرة من الجسد حتى يصل بالنص إلى المستمع، فيصور بذلك عالم النص الخاص، بما يحمله من معانٍ وأحاسيس، فيضطر إلى رفع الصوت أوخفضه أوالشدة أواللين أو الضغط على بعض المفردات أو المد… حسب ما يحتاج إليه النص، وكذلك في أثناء الأداء قد يميل برأسه يمينًا أو يسارًا، أو يحرِّك يده، أو جسده، أو يشير بإصبعه، أو ترتسم على وجهه السعادة أو الحزن.

وتعد الإشارة من أهم الوسائل المُعِينة على الإلقاء الجيِّد، وقد تختلف من شخص لآخر، تكون باليد أو الحواجب أو جوارح الجسد الأخرى، وقد عَرَفَ العربُ ذلك، وهم أمة بلاغة ، فكان الخطيب يمسك بعصًا في أثناء خطبته، ويشير بها ، وقد شاع في مدارسنا في زمن سابقٍ أنَّ بعضًا من المعلمين لا يحلو لهم الشرح إلا وهم يمسكون بالعصا، ولم يكن الغرض منها التخويف فقط، بل كانت وسيلة من وسائل الإفهام.

وكان الرسول عليه السلام إذا قام يخطب أخذ عصا فتوكأ عليها وهو على المنبر، وكان الخلفاء الثلاثة بعده يفعلون ذلك.

ويأتي التساؤل حول الإلقاء: هل هو فنٌّ أم علمٌ؟ هناك بعض الفنون تضبط بالعلم، لكنها تتجاوزه إلى تقنيات الفن، وهو يتعلق بالذوق والجمال، قبل اعتمادها على القواعد والقوانين، ويقول: وما القواعد والقوانين إلا المادة التي يظهر فيها.

ولعل الحديث ((زَيِّنُوا القُرآنَ بأصواتِكُمْ)) وقوله: ((إنَّ من البيانِ لَسِحْرًا)) يوضح أهمية الإلقاء بوصفه عنصرًا من عناصر التواصل اللغوي، ويقص علينا من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قرأ سورة النجم وسط لفيفٍ من قبائل العرب وهو بمكة، فإذا بالطوائف وهي على كُفْرِها تُنْصِتُ إليه وتقترب منه مأخوذةً مُعْجبةً، حتى ما انتهى إلى السجدة التي في آخر السورة فسجد الرسول، فإذا بالقوم وهم لا يشعرون يسجدون، وعندما أفاقوا وانتبهوا إلى أنفسهم تراجعوا إلى عنادهم مُتَّهمينَ الرسول عليه السلام بالسِّحْرِ، وهو في الحقيقة سحر الأداء وحلاوة البيان.

ويميز الفنان القدير عبد الوارث عسر بين الخطيب والممثل في الإلقاء، فالخطيب لا يملك من وسائل التعبير غير الكلمات ومعانيها وبعض الإشارات، أما الممثل فقد اجتمعت له كل وسائل التعبير، فيهيِّئُ من جسده تماثيل مختلفة الأوضاع معبرة عن معانيها، وهو مصوِّر يتَّخِذُ من ملامح وجهه تصاويرَ معبرة، ويستعين على ذلك في مكياجه وفي ملابسه، ويكون من شخصه وممَّا حوله من الديكور ومن الإكسسوار ومن الشخصيات الأخرى التي تشاركه الحوادث (تابلوهات) حية ناطقة، تعبِّرُ عما أُرِيدَ منها من المعاني، والممثل فوق كل ذلك أديبٌ مثقفٌ يعرف أقدار المعاني، فيتمكن من توضيحها بأدائه الصوتي.

إن الإلقاء موهبةٌ تحتاج إلى معرفةٍ بعلم النطق، ويلزمه كثرة التمرين على التنفس وتنظيمه، والممثل من الضروري أن يصاحب موهبته صوتٌ طيِّعٌ ليِّنٌ يوظِّفُهُ في الأداء بأدقِّ التَّعبيرِ وأبلغ النغمات.
اقر أ ايضا للكاتب
ما وراء الطبيعة… بداية مبشرة للواقعية السحرية في الدراما المصرية

تعليق 1
  1. […] اقرأ أيضا وما زال الفنان عبد الوارث عسر مرجعًا في فن الإلقاء […]

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق