كتبت : سارة غنيم
فتح الهجوم الأمريكي على فنزويلا جبهة جديدة في مشهد دولي مضطرب أصلاً، مؤكّدًا أن رقعة الشطرنج الجيوسياسية باتت مشتعلة من أكثر من اتجاه. ففي وقت تبدو فيه الأمم المتحدة عاجزة عن لعب دورها التقليدي، وتكتفي القوى الكبرى بترديد خطاب “الشرعية” دون أدوات فعلية لفرضها، يواصل النظام الدولي انزلاقه نحو أزمة بنيوية عميقة، بلا محكّمين ولا قواعد جامعة.
كاراكاس ليست حادثًا معزولًا
الانفجارات التي هزّت العاصمة الفنزويلية كاراكاس في الليلة الفاصلة بين 2 و3 يناير 2026 لا يمكن قراءتها كحدث منفصل. بل تمثل، في نظر مراقبين، إشارة واضحة إلى تحوّل خطير: عودة القوة العسكرية لتكون أداة سياسية مباشرة، بعيدًا عن الوساطة الدولية أو الأطر متعددة الأطراف.
الضربة المنسوبة إلى قرار من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا تشبه العمليات السرية أو الحروب بالوكالة، بل تمثل عملًا عسكريًا مباشرًا ضد دولة ذات سيادة، مبررًا بسرديات سبق للعالم أن سمعها مرارًا في العقود الأخيرة.
أوكرانيا… اللحظة التي تغير فيها كل شيء
منذ 24 فبراير 2022، تاريخ الغزو الروسي لأوكرانيا، دخل النظام الدولي مرحلة جديدة. في ذلك اليوم، تم تكريس فكرة مفادها أن الحدود لم تعد خطوطًا محصنة بالقانون، بل قابلة لإعادة التشكيل بالقوة. وبعد ثلاث سنوات، لم يتحول الصراع إلى تسوية، بل إلى نموذج دائم لحرب مفتوحة.
الإمدادات العسكرية الغربية، واقتصاد الحرب الروسي، وغياب أي مسار تفاوضي جدي، جعلت من أوكرانيا مختبرًا لعدم الاستقرار العالمي، ورسّخت مبدأً بالغ الخطورة: إذا نجح استخدام القوة مرة، فلماذا لا يُعاد استخدامه؟
الشرق الأوسط… برميل بارود لا يبرد
في الشرق الأوسط، لم تغادر التوترات المشهد يومًا. المظاهرات المتكررة في مدن إيرانية عدة تمثل فتيلًا مفتوحًا على نتائج غير محسوبة.
وبين عامي 2024 و2025، أعادت الغارات المحددة، والهجمات غير المباشرة، والاشتباكات في البحر الأحمر، إيران إلى قلب مواجهة متصاعدة مع الولايات المتحدة وحلفائها.
كل حادثة تُقدَّم على أنها معزولة، غير أن الصورة العامة تشير إلى منطقة يكفي فيها خطأ واحد في الحسابات لتحويل أزمة محلية إلى حرب إقليمية، ذات تداعيات طاقوية واستراتيجية تطال العالم بأسره.
المحيط الهادئ… عدٌّ تنازلي صامت
في آسيا، يسير التصعيد بوتيرة أهدأ لكن أكثر ثباتًا. فالتدريبات العسكرية الصينية حول تايوان، التي تكثفت بين عامي 2024 و2025، بعثت برسالة واضحة مفادها أن الخيار العسكري بات مطروحًا على الطاولة.
تراقب بكين السلوك الغربي عن كثب: فإذا كان الاستخدام الأحادي للقوة يُغضّ الطرف عنه في مناطق أخرى، فلماذا يُفترض أن تبقى تايوان خطًا أحمر غير قابل للمساس؟
الأمم المتحدة… شاهد بلا أدوات
وسط هذا المشهد، تبدو الأمم المتحدة أشبه بمتفرج عاجز. مجلس الأمن مشلول بفعل الفيتو المتبادل، غير قادر على منع النزاعات أو احتوائها أو حتى فرض كلفة سياسية حقيقية على من يشعلها.
أما القانون الدولي، فلم يعد مرجعية ملزمة، بل أداة انتقائية: يُستدعى حين يخدم المصالح، ويُتجاهل حين يقف عائقًا أمامها.
الشرعية، في هذا السياق، لم تعد مبدأ ثابتًا، بل تحولت إلى خطاب يُستخدم عند الحاجة.
مفارقة المواقف… والنفاق المكشوف
لعل المفارقة الأوضح تتجلى في رد الفعل الروسي على ما جرى في فنزويلا، حين تحدثت موسكو عن “انتهاك القانون الدولي”. عبارة ثقيلة، تصدر عن دولة أعادت رسم حدود أوروبا بالقوة وما زالت تفعل.
غير أن الإشكالية لا تتعلق بروسيا وحدها، بل بنظام دولي يسمح للجميع بأن يكونوا مخطئين ومحقين في آن واحد، دون عواقب حقيقية.
عالم واحد… أزمات متشابكة
كاراكاس، كييف، طهران، وتايبيه ليست أزمات منفصلة، بل قطع من فسيفساء واحدة: نظام عالمي فقد إيمانه بقواعده الخاصة.
ومع تحوّل القوة إلى لغة سياسية ودبلوماسية، لا يلوح الخطر في اندلاع حرب جديدة فحسب، بل في تكريس حرب دائمة، واسعة النطاق، بلا إعلان رسمي ولا نهاية واضحة.
العالم، وفق هذا المنظور، لا يقترب من صراع عالمي… بل يعيش داخله بالفعل، بينما يواصل التظاهر بعدم ملاحظته.
اقرأ أيضا:
اعتقال مادورو أم حرب روايات؟ تحقيق يكشف ما نعرفه وما لا نعرفه عن التدخل الأميركي في فنزويلا