ندوة ثقافية بشبين الكوم تناقش تجليات مصر الدينية والحضارية عبر التاريخ
كتبت – د/سارة غنيم
أُقيمت في مدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية ندوة ثقافية للكاتب والسفير شعيب عبد الفتاح بعنوان
«تجلّى الله على مصر.. فتجلّت مصر على الدنيا»، وذلك في نادي الأدب بقصر ثقافة شبين الكوم مساء الأربعاء 4 فبراير 2026، ثم تواصلت الفعالية في صالون الدكتور بسيم عبد العظيم مساء الخميس 5 فبراير 2026، وسط حضور ثقافي وفكري لافت.

وقال الكاتب في مستهل الندوة إن مصر هي الأرض الوحيدة التي اصطفاها الله بالتجلي الأعظم، مؤكدًا أن هذا التجلي الإلهي لم يقع في بقعة من بقاع الأرض إلا على أرض مصر، وبالتحديد في طور سيناء، وهو ما منحها قدسية وتفرّدًا روحيًا لم تحظَ به أي دولة أخرى.
وأشار إلى أن القرآن الكريم أكد قدسية مصر وأرضها ثلاث مرات صراحة، مستشهدًا بآيات الوادي المقدس في سور طه والنازعات والمائدة، موضحًا أن الآية الأخيرة تشير إلى دعوة بني إسرائيل للعودة إلى مصر بعد هلاك فرعون، ما يؤكد مكانتها كمأوى آمن ومقدّس.

وأكد عبد الفتاح أن تجلي الله على مصر تبعه تجلٍّ حضاري وإنساني فريد، حيث جاءت مصر أولًا ثم جاء التاريخ، لافتًا إلى أن اسمها ارتبط بحفيد نبي الله نوح، وهو مصر بن حام بن نوح، الذي يُعد أول من سكن أرضها بعد الطوفان، وأبو المصريين الأوائل.
وأوضح أن الله خصّ مصر كذلك بنبي مصري كريم هو سيدنا إدريس عليه السلام، مشيرًا إلى أنه من أوائل الأنبياء الذين بعثوا إلى الأرض، وأن رسالته – إلى جانب الدعوة للتوحيد – ركزت على تعليم البشرية أسس الحضارة، مثل الزراعة والكتابة والبناء والحياكة، مؤكدًا أن إدريس هو أول من خط بالقلم.
وأضاف أن مصر تأسست كأول دولة مركزية في التاريخ يوم 31 أكتوبر (21 بابة) عام 3200 قبل الميلاد، على يد الملك مينا، مؤكدًا أن هذه اللحظة شهدت ميلاد مفهوم الدولة المتكاملة ذات الحكومة المركزية والجيش الموحد والإدارة المنظمة.

وأشار إلى أن عبقرية المصريين القدماء تجلت في بناء الإنسان قبل بناء الحجر، موضحًا أنهم وحّدوا الحكم والجيش والإدارة، لكنهم رفضوا توحيد الدين، إدراكًا منهم لأهمية احترام التعدد الديني كركيزة للوحدة الوطنية بين الصعيد والدلتا.
وأكد أن هذا الوعي المبكر أسس لأول نموذج للتسامح الديني في التاريخ، حيث احتفظ كل إقليم بمعابده ومعتقداته، بل وبُنيت معابد آلهة الوجه البحري في الصعيد، والعكس، وهو ما مهّد لوحدة وطنية راسخة لا تقوم على الإقصاء.
وأوضح عبد الفتاح أن مصر أهدت العالم أول كيان سياسي متكامل، ومن خلاله انطلقت إنجازات حضارية كبرى في الكتابة والزراعة والطب والفلك والرياضيات والعمارة، مؤكدًا أن فجر الضمير الإنساني بزغ على ضفاف النيل.
وأشار إلى أن مصر كانت موئلًا للعديد من أنبياء الله، بدءًا من سيدنا إبراهيم عليه السلام، الذي تزوج من السيدة المصرية هاجر، موضحًا أن هذه الزيارة النورانية ترتب عليها تأسيس مكة المكرمة، وظهور شعائر الحج، وماء زمزم، والكعبة المشرفة.
وأكد أن مصر احتضنت أنبياء بني إسرائيل، وشهدت ميلاد سيدنا موسى وهارون ويوشع، كما أنجبت سيدنا لقمان الحكيم، الذي وُلد في النوبة بمصر، وخلّده القرآن بسورة تحمل اسمه.

وأوضح أن مصر كانت أرض الرسالات السماوية الثلاث، حيث نزلت فيها اليهودية، واحتضنت المسيحية بمرور العائلة المقدسة في أكثر من 25 موقعًا، مشيرًا إلى أن الكنيسة الوحيدة التي بناها السيد المسيح بيديه هي كنيسة دير المحرق بأسيوط، والتي تُعرف بـ«بيت لحم الثاني».
وأشار إلى أن مصر فتحت أبوابها للإسلام عام 642م، مؤكدًا أن دخول الإسلام كان قائمًا على الأمان وحرية العقيدة وصون دور العبادة، مستشهدًا برسالة النبي ﷺ إلى المقوقس، والهدايا المصرية التي أُرسلت إلى المدينة المنورة.
وأكد أن النبي ﷺ ارتدى الكتان المصري، وأن كفنه كان من الكتان المصري أيضًا، كما تصدق بجميع أموال المقوقس على الفقراء والمساكين، في دلالة على عمق العلاقة الروحية بين مصر والإسلام.
وأوضح أن مصر شُرّفت بوجود عدد من الصحابة المصريين، رغم أن فتحها تم بعد وفاة النبي ﷺ، مستعرضًا أسماء عدد من الصحابة والصحابيات من أهل مصر، الذين ذكرهم المؤرخ جلال الدين السيوطي في كتابه در السحابة.
وأشار في ختام الندوة إلى أن مصر انفردت بجمع ثنائيات حضارية ودينية لا تجتمع في غيرها، فهي أكبر دولة عربية من حيث عدد المسلمين والمسيحيين، وتضم الأزهر الشريف والكنيسة المرقسية، وتحتضن رموزًا دينية كبرى للإسلام والمسيحية معًا.
وأكد أن مصر ستظل – كما وصفها المؤرخ الأمريكي جيمس هنري بريستيد – أرض فجر الضمير، مشددًا على أن الحضارة بلا قيم لا تدوم، وأن رسالة مصر الإنسانية قائمة على السلام، والتعايش، واحترام الآخر.