النظام الدولي في مرحلة التفكيك: مؤتمر ميونيخ للأمن يختبر موازين القوة الجديدة
في وقت تتصاعد فيه النزاعات وتتراجع فيه الثقة بالقواعد الدولية التي أرست دعائم النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، ينعقد مؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام وسط تساؤلات جوهرية حول مستقبل التعددية والتحالفات التقليدية.
فالعالم — بحسب تقرير ميونيخ للأمن 2026 — لم يعد يواجه مجرد تآكل تدريجي في النظام الدولي، بل دخل مرحلة «تفكيك نشط» تتقدم فيها اعتبارات القوة على حساب القواعد.
عالم يتجه إلى «سياسة كرة الهدم»
يشير تقرير ميونيخ الجديد إلى أن النظام الذي تأسس بعد عام 1945 لم يعد يتعرض لضغوط إصلاحية فحسب، بل يواجه عملية إعادة تعريف جذرية.
ويصف التقرير المرحلة الراهنة بأنها موسم «سياسة كرة الهدم»، حيث لا يكون الهدم نتيجة جانبية للصراعات، بل أداة سياسية مقصودة لإعادة تشكيل موازين القوى.
في هذا السياق، لم تعد الهياكل متعددة الأطراف أو قواعد التجارة والأمن تُحدَّث تدريجيًا، بل باتت شرعيتها نفسها موضع تشكيك.
لم يعد السؤال كيف نحافظ على النظام القائم، بل كيف يُعاد تشكيله — وأحيانًا عبر تسريع تفككه.
تحولات في الموقف الأمريكي
تكتسب هذه التحولات دلالة خاصة مع تغيّر مقاربة الولايات المتحدة، الدولة التي لعبت دورًا محوريًا في بناء النظام الدولي بعد الحرب.
فالتغير الحالي لا يرتبط بقرارات منفردة، بل يعكس توجهًا أوسع تجاه التعددية، وطبيعة التحالفات، وقواعد التجارة المنظمة.
بالنسبة لأوروبا، يترجم ذلك إلى حالة متزايدة من عدم اليقين الاستراتيجي. فالشراكة عبر الأطلسي — التي شكلت لعقود حجر الزاوية في الأمن الأوروبي — لم تعد ثابتة أو تلقائية، بل أصبحت أقرب إلى علاقة مشروطة تتأرجح بين الطمأنة والضغط السياسي.
خلال دورة 2025 من المؤتمر، أشار نائب الرئيس الأمريكي ج. د. فانس إلى أن الدعم الأمريكي لم يعد مسلمة بديهية، بل يرتبط بمدى التزام أوروبا بتعزيز قدراتها الدفاعية. الرسالة لم تكن إعلان قطيعة، بل إعادة صياغة لشروط العلاقة.
وفي دورة هذا العام، يُنتظر حضور شخصيات بارزة، من بينها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، والأمين العام لـحلف شمال الأطلسي مارك روتي، ورئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، ما يعكس تداخل البعد الأمني بالاقتصادي في النقاشات الدائرة.
تآكل الثقة داخل الديمقراطيات الغربية
لا يقتصر التحول على الجغرافيا السياسية، بل يمتد إلى الداخل الغربي ذاته. إذ يرصد التقرير تراجع الثقة الشعبية في الأنظمة السياسية بعدد من الديمقراطيات المتقدمة، حيث يُنظر إلى الحكومات باعتبارها عاجزة عن تحقيق تحسينات ملموسة في حياة المواطنين.
ومع تآكل مصداقية «التقدم التدريجي»، تتزايد جاذبية الحلول الراديكالية، ويصبح تعطيل النظام القائم خيارًا مقبولًا لدى شرائح أوسع من الرأي العام.
من نظام قائم إلى ميزان قوى مفتوح
الحرب في أوكرانيا والضغوط الهجينة التي تواجهها أوروبا لم تُنشئ الأزمة بقدر ما كشفت هشاشة البنية القائمة.
فالعالم لا يتجه نحو فراغ سلطوي، بل نحو بيئة تتراجع فيها القواعد المشتركة لصالح مناطق نفوذ وتفاهمات غير متكافئة.
الخطر — بحسب التقرير — لا يكمن فقط في الأزمات المتتالية، بل في احتمال استبدال نظام المعايير المشتركة بنظام يقوم على التفاوض من موقع القوة.
ميونيخ… ميدان اختبار لا مجرد منتدى
منذ تأسيسه عام 1963، لم يكن مؤتمر ميونيخ للأمن قمة تفاوضية تنتج معاهدات ملزمة، بل منصة لقياس «حرارة» النظام الدولي.
واليوم، يبدو أنه يتحول إلى ساحة اختبار حقيقية: هل ما زال بالإمكان إصلاح النظام الذي نشأ بعد 1945، أم أن مرحلة إعادة البناء ستتم وفق قواعد جديدة بالكامل؟
إذا كانت «كرة الهدم» تتحرك بالفعل، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان النظام يتغير، بل من سيقود عملية البناء المقبلة — وبأي أدوات.