القيامة قبل المسيح: جذور فكرة البعث في الحضارات القديمة

0 44

كتب : خالد محمود

القيامة: حلم الإنسان الأزلي بالانتصار على الموت

منذ أن وعى الإنسان معنى الفقد، ووقف لأول مرة أمام جسد بلا روح، بدأ السؤال الأكبر في التاريخ:

هل الموت نهاية أم بداية؟

من هذا السؤال وُلد مفهوم القيامة، أو العودة إلى الحياة بعد الموت، بوصفه أحد أقدم وأعمق الأفكار التي شغلت العقل البشري.

ورغم ارتباط هذا المفهوم في الوعي الحديث بالمسيحية وقيامة السيد المسيح، فإن جذوره تمتد إلى آلاف السنين، وتظهر بوضوح في الحضارات القديمة والأساطير والديانات الشرقية والسماوية على السواء.

القيامة والطبيعة: حين علّم الربيع الإنسان الأمل

قبل أن تكون القيامة عقيدة دينية، كانت ملاحظة طبيعية. فالمزارع القديم رأى الأرض تموت في الشتاء وتبعث في الربيع، ورأى البذرة تُدفن في التراب ثم تعود سنابل خضراء. ومن هنا تشكل الربط العميق بين الموت والتجدد.

ياريلو، إله النباتات والخصوبة

في بلاد ما بين النهرين، جسّد الإله تموز هذه الفكرة؛ يموت كل شتاء ويعود كل ربيع، رمزًا لدورة الحياة. وفي اليونان، عاشت بيرسيفوني نصف العام في العالم السفلي ونصفه بين الأحياء، فتناوبت الخصوبة والجدب.

أما في الأساطير السلافية، فقد عاد ياريلو إله الربيع من الموت ليعيد الحياة للأرض.

مصر القديمة: القيامة بوصفها عقيدة كاملة

كانت مصر القديمة أول حضارة حوّلت فكرة القيامة إلى منظومة إيمانية متكاملة. فقد مثّل الإله أوزيريس قصة الموت والبعث بامتياز؛ يُقتل، يُبعث، ثم يصبح سيد العالم الآخر. ولم تكن القصة مجرد أسطورة، بل أساسًا لفكرة الخلود.

ومن هنا نشأ التحنيط، وكتب الموتى، ومحاكمات الروح بعد الموت.

لم يكن المصري القديم يسأل: هل نُبعث؟ بل كان يسأل: كيف نُبعث؟

وهو فارق جوهري يعكس عمق الإيمان بالحياة الأخرى.

من الأسطورة إلى المعنى: الفينيق وأودين

انتقلت فكرة القيامة من الأرض إلى الرمز. طائر الفينيق، الذي يحترق ثم يولد من رماده، صار أيقونة عالمية للتجدد والانبعاث، وظهر في مصر وفارس واليونان.

وفي الأساطير الإسكندنافية، قدّم الإله أودين نموذجًا مختلفًا؛ إذ مات اختيارًا، معلقًا على شجرة العالم، ليولد من جديد حاملاً الحكمة. هنا لم تعد القيامة مجرد عودة للحياة، بل ولادة جديدة بالمعرفة.

الشرق الروحي: القيامة بمعناها الإنساني

في الهندوسية، تحكي قصة سافيتري وساتيافان عن قوة الحب والوفاء، حيث تنتزع امرأة زوجها من قبضة إله الموت.

وفي البوذية، تأخذ القيامة طابعًا رمزيًا وروحيًا، كما في قصة الراهب بوديدهارما، حيث لا يكون البعث جسديًا بقدر ما هو تحرر من قيود الزمن والمادة.

القيامة في الديانات السماوية

مع الديانات السماوية، خرج مفهوم القيامة من الرمز إلى الإيمان العقائدي. ففي العهد القديم، ارتبط إحياء الموتى بقدرة الله المطلقة، كما في معجزات إيليا وإليشع.

أما في المسيحية، فقد أصبحت قيامة السيد المسيح حجر الزاوية للعقيدة كلها. لم تكن مجرد معجزة، بل إعلانًا لانتصار الحياة على الموت، ومعنى للخلاص الإنساني. ولهذا قال المسيح: «أنا القيامة والحياة».

وامتدت معجزات القيامة إلى الرسل، في تأكيد أن الحياة لا تُختزل في الجسد، وأن الموت ليس الكلمة الأخيرة.

لماذا لم يتخلَّ الإنسان عن فكرة القيامة؟

لأن القيامة ليست فقط فكرة دينية، بل حاجة إنسانية عميقة.

هي رفض داخلي للفناء، واحتجاج على العبث، وإيمان بأن العدل الكامل لا يتحقق في عالم ينتهي بالقبر.

الإنسان قد يختلف في شكل القيامة، لكنه نادرًا ما يختلف في جوهرها:

أن للحياة معنى، وأن الموت ليس النهاية.

من مصر القديمة إلى المسيحية، ومن الأسطورة إلى العقيدة، ظل مفهوم القيامة شاهدًا على وحدة الهم الإنساني عبر العصور.

قد تتغير الأسماء والقصص، لكن الفكرة واحدة: الحياة أقوى من الموت، والأمل أقدم من اليأس.

ولهذا، ستظل القيامة – بكل صورها – واحدة من أكثر الأفكار رسوخًا في وجدان البشرية.

اقرأ أيضا:
الظواهر الكونية ليست نذير شؤم: الأوقاف بين السنة والعلم  
يوسف زيدان: القرآن كتاب هداية وعِظات روحية وليس مرجعاً للتاريخ
هل للدولة دين؟ قراءة في حدود السلطة ومجال العقيدة 

 

Visited 10 times, 10 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق