موائد الرحمن.. من العصر الفاطمي إلى ميلانو: رمضان يجمع المصريين في الغربة

0 92

ميلانو- نجاة آبو قورة

تُعد موائد الرحمن واحدة من أقدم وأعمق الظواهر الاجتماعية المرتبطة بشهر رمضان في مصر. فمنذ العصر الفاطمي وحتى اليوم، ظلّت هذه الموائد رمزًا للعطاء والتكافل والترابط المجتمعي، داخل الوطن وخارجه.

وفي مدينة ميلانو الإيطالية، تصدرت موائد الرحمن المشهد الرمضاني للجالية المصرية، في لقاء جسّد روح التضامن والانتماء، بحضور السفير وليد عثمان، قنصل مصر العام في ميلانو، إلى جانب القنصل أحمد علي والقنصل أحمد أبو مسلم، وبمشاركة ضيف الشرف من لندن الحاج مصطفى رجب، رئيس البيت المصري في لندن.

رمضان يجمع المصريين في الغربة

شهدت مائدة الإفطار حضورًا لعدد من رموز الجالية المصرية، من بينهم الفنان التشكيلي العالمي الدكتور جمال مليكة، والأديب المصري هاني جبرائيل، في لفتة أكدت أن المصريين في الخارج نسيج اجتماعي واحد، يجمعهم الوطن رغم المسافات.

وأكد الحضور أن موائد الرحمن في الغربة تتجاوز كونها مناسبة لتناول الطعام، بل تمثل مساحة للقاء، وتجديد الروابط، وإحياء الهوية الوطنية.

دور القنصلية.. تواصل ودعم

حرصت القنصلية المصرية في ميلانو على المشاركة في هذا التجمع، تأكيدًا على دعمها المستمر للجالية المصرية، والتواجد في مختلف الفعاليات الإيجابية التي تعكس صورة مشرفة للمصريين في الخارج باعتبارهم أحد أوجه القوة الناعمة للدولة.

وأكد السفير وليد عثمان خلال اللقاء سعادته بالتلاحم الواضح بين أبناء الجالية، مشددًا على أن القنصلية ترحب بالجميع دون تمييز، وتعمل على تسهيل الخدمات القنصلية، خاصة من خلال المنظومة الرقمية التي ساهمت في تقليل التزاحم واختصار الوقت وتيسير توثيق المستندات.

كما دار حوار مفتوح بين السفير وأبناء الجالية، للاستماع إلى آرائهم ومقترحاتهم بشأن تطوير العمل القنصلي، في أجواء اتسمت بالدفء وروح الانتماء.

تنافس في الخير

شهدت الفعالية تعاونًا بين رجال أعمال وجمعيات مصرية في ميلانو، من بينهم الحاج محمد الجزويني، صاحب أحد أشهر المطاعم المصرية في المدينة، وجمعية “لوتس”، وجمعية “تحالف من أجل مصر”، في مشهد عكس روح التكافل والتسابق في عمل الخير.

وأكد المشاركون أن موائد الرحمن تمثل رمزًا للعطاء والتراحم، مصداقًا لقول الرسول ﷺ:
«من فطّر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء».
وتضيف وفاء العسيرى جمعية لوتس عندما نجتمع سويا على مائدة رمضان تأكيدا لمفهوم التسامح والسمو الاخلاقى بيننا خاصة فى الغربة انه دفئ الاسرة والعائلة ومزيد من الترابط حيث يتسابق الكل طلبا للاجر والثواب

وأشار الحاج محمد الجزويني إلى أن الاستعداد لمائدة الرحمن يبدأ مع رؤية هلال رمضان، باعتبارها طقسًا اجتماعيًا ودينيًا متجذرًا يهدف إلى تعزيز التضامن بين المصريين.

المدارس المصرية.. الحفاظ على الهوية

وفي سياق متصل، أوضحت الأستاذة سامية معوض، مديرة إحدى المدارس الخاصة بميلانو، أن المدارس المصرية في المدينة تنظم دروسًا في اللغة العربية والقرآن الكريم خلال عطلة نهاية الأسبوع، من مرحلة الحضانة حتى الإعدادية، بهدف الحفاظ على الهوية الثقافية للأجيال الجديدة.

وقد دعاها السفير إلى زيارة القنصلية لبحث سبل دعم هذه المبادرات التعليمية التي تعزز ارتباط الأبناء بوطنهم الأم.

جذور تاريخية تعود إلى العصر الفاطمي

تاريخيًا، يرجع بعض المؤرخين أول مائدة رمضانية رسمية في مصر إلى عهد أحمد بن طولون عام 259 هـ. غير أن الدولة الفاطمية هي التي وسّعت نطاق هذه الظاهرة، حيث أقام الخليفة العزيز بالله مائدة إفطار بجوار جامع عمرو بن العاص في القاهرة، عُرفت باسم “دار الفطرة” أو “سماط الخليفة”.

وكان الخليفة يحضر بنفسه تلك الموائد، التي استمرت من الرابع حتى السادس والعشرين من رمضان، وشارك فيها المصريون من مختلف الطبقات، وتضمنت أطعمة متنوعة مثل اللحوم والأرز والتمر والحلوى الرمضانية كالكنافة والقطايف.

وفي القرن العشرين، عادت موائد الرحمن بقوة في مصر، بدعم من الدولة ورجال الأعمال، وأصبحت تقام في مختلف المحافظات، ومن أشهرها الموائد المقامة بجوار الأزهر الشريف، والتي تستقبل أيضًا طلابًا من مختلف الدول الإسلامية.

رمضان.. طقس اجتماعي وثقافي

تبقى موائد الرحمن أكثر من مجرد مائدة طعام؛ فهي تعبير عن ثقافة متجذرة في المجتمع المصري، تعزز روح الأخوة، وتخفف من وطأة الغربة، وتحوّل شهر الصيام إلى مناسبة للتقارب الإنساني.

وفي ميلانو، كما في القاهرة، تؤكد هذه الموائد أن المصري أينما كان يحمل معه ذاكرته الجمعية، ويتفاعل مع مجتمعه الجديد دون أن يفقد انتماءه لوطنه الأم.
اقرأ أيضا:
موائد الرحمن والدورة الرمضانية لكرة القدم تتصدران احتفالات الجالية المصرية في ميلانو

Visited 44 times, 44 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق