فصول الأمل.. قراءة في كتاب يعيد تشكيل الإنسان بين الحنين وصراع الهوية
بقلم الكاتبة چيهان سليم
في كتاب “فصول الأمل” للكاتبة والناقدة المبدعة د. أمل درويش.. لن تقرأ مجرد مقالات متفرقة.. بل حالات إنسانية متجددة تتشكل مع كل شهر من شهور العام وتعاقب الفصول.
تنهض هذه النصوص على فكرة مركزية واضحة: أن الإنسان في رحلة مستمرة بين الأمل والتعلّق والحنين.. وصراع الهوية بين الأصالة والحداثة.
ستلمس روحًا صادقة تسكن العمل؛ وكأن كل فصل نافذة تُفتح على ذات تبحث عن معنى وسط صخب الحياة. فلا يشعر القارئ أنه أمام نصوص مكتوبة بقدر ما يشعر أنه أمام تجربة عاشت وتشكّلت.. ثم كُتبت لتُشكّل وعيا وتترك أثرا.
ينتمي الكتاب إلى أدب المقالات التأملية الجاذبة.. بعمق إنساني صادق يخلو من التكلّف. حيث يحمل كل نص تجربة نفسية أو اجتماعية أو فكرية.. في توازن جميل بين التلقائية والعمق.. يجعل القارئ يرى نفسه في أكثر من موضع.
وتتجلى براعة الكاتبة في قدرتها على التقاط التفاصيل الصغيرة التي تمر بنا جميعًا دون أن ننتبه إليها.. لتعيد تقديمها في صياغة دافئة شفيفة تنبض بالحياة. فتصبح الذكريات والحنين.. وحتى الألم.. عناصر حيّة تتحرك بين السطور.
أما اللغة.. فتتسم برقة واضحة وسلاسة محببة.. دون أن تفقد ثراءها البلاغي.. حيث تخلق صورا حسّية قريبة من القلب.. تستدعي الحواس جميعا. حتى ليخيل إليك أنك تشم عبير أزهار الليمون والبرتقال والياسمين.. وتسمع صدى الماضي وتشعر بثقل الحنين كتجربة معاشة لا مجرد كلمات.

وتبرز خصوصية العمل كذلك في قدرته على الجمع بين التأمل الهادئ والطرح الواعي؛ فالنصوص لا تكتفي بسرد المشاعر.. بل تمتد لتضيء مناطق خفية في النفس والفكر.. وتعيد ترتيب الكثير من الأفكار التي نمر بها دون أن نمنحها حق التأمل.
ويحضر الحنين كخيط رفيع ينسج العديد من الفصول.. لا بوصفه مجرد استدعاء للماضي.. بل كأداة لفهم الحاضر والتصالح معه.. مما يمنح النصوص بُعدا إنسانيا عميقا وممتدا.
بعض المقتطفات من الكتاب:
“نحن مجرد ضيوف عابرين… وكل ما نملكه هو حق انتفاع”
“للكلمات سحر يأسر القلوب ويبعث في النفوس نشوة تضاهي التحليق بين الفراشات حول شعاع النور، أو على جناح طائر يتمايل بين غيمات مارس، تصارع فلول الشتاء”
“فالعمر سيمضي في جميع الأحوال، وأحداث اليوم هي ذكريات الغد؛ فاجمعوا ذكريات جديدة بنكهة سعيدة، واملؤوا صدوركم بعبير الزهر”
“وتهرب نسمات الربيع الحالمة من بين أنامل تشابكت على وجه الطرقات، وتتلاشى أطيافها مودّعة اللقاءات، على أمل العودة بعد شهور طويلة، تتقلب فيها القلوب على جمر الانتظار”.
حقيقةً.. لا أنكر إعجابي بقلم الكاتبة المبدعة؛ ولو تركت لنفسي العنان.. لاقتبست معظم الكتاب! لما يحمله من جمال وصدق.
إنه عمل واعٍ يسعى لفهم الإنسان في زمن مضطرب.. ويترك في النفس ذلك الشعور الدافئ بأن الحياة.. مهما تبدّلت فصولها.. يظل فيها متسع للأمل.
شكرًا للكاتبة المبدعة.. وفي انتظار المزيد من هذا القلم الراقي.
إقرأ أيضا:
“رؤية جديدة في عالم الأدب: الكاتبة أمل درويش تحكي قصتها وتشارك تجاربها”
قراءة فى متوالية كيميروڤو القصصية للدكتورة / أمل درويش