كتبت: د/ سارة غنيم
لا يقتصر مقتل علي خامنئي على كونه نهاية زعيم حكم إيران لأكثر من ثلاثة عقود. فبالنسبة لكثيرين، يمثل الحدث سقوط شخصية ارتبط اسمها بالقمع السياسي وترسيخ نظام ديني مغلق على المعارضة.
غير أن السياسة لا تُدار فقط بالأحكام الأخلاقية، بل بحسابات القوة والنتائج. والسؤال الحقيقي اليوم ليس من كان خامنئي، بل ماذا بعده؟
العملية التي تُنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل تتجاوز كونها ضربة عسكرية تقليدية؛ فهي، إن صحت، تمثل محاولة لـ”قطع رأس” النظام عبر استهداف قمة هرم السلطة السياسية والعسكرية. الفكرة الاستراتيجية هنا تقوم على افتراض أن إزاحة القيادة الأيديولوجية والكاريزمية ستُفقد النظام تماسكه، وتدفعه إلى الانقسام والضعف، وربما التفكك.
لكن تجارب المنطقة تدعو إلى الحذر.
دروس من العراق وليبيا وأفغانستان
التاريخ الحديث يُظهر أن إسقاط رأس النظام لا يضمن انتقالاً مستقراً. بعد سقوط صدام حسين، لم يتحول العراق إلى ديمقراطية مستقرة، بل دخل في دوامة عنف طائفي وتنافس إقليمي. أما ليبيا، فبعد مقتل معمر القذافي، غرقت في انقسام مزمن وصراع على الشرعية. وفي أفغانستان، كشفت التطورات عن هشاشة البنية التي أُقيمت تحت إشراف عسكري أجنبي.
في كل هذه الحالات، أدى تدمير القيادة إلى خلق فراغ سياسي، لا إلى بديل مؤسسي متماسك.
إيران.. نظام يتجاوز الفرد
غير أن إيران ليست نظامًا شخصيًا محضًا. إنها جمهورية إسلامية قائمة على بنية أيديولوجية متجذرة في الفكر الشيعي ومؤسسات مترابطة تجمع بين القيادة الدينية والحرس الثوري والجهاز البيروقراطي.
وهنا يظهر عامل غالبًا ما يُغفل في التحليلات الغربية: ثقافة الشهادة في الوجدان الشيعي.
فواقعة كربلاء، واستشهاد الحسين بن علي، تشكل عنصرًا تأسيسيًا يحول الهزيمة إلى هوية، والموت إلى مصدر شرعية أخلاقية.
في هذا السياق الرمزي، قد يُعاد تأطير اغتيال قائد – مهما كان مثيرًا للجدل – بوصفه “استشهادًا” في مواجهة قوة خارجية. وهذه القراءة قد لا تضعف النظام، بل تعيد تعبئته عاطفيًا وتمنحه غطاءً تعبويًا جديدًا.
مفارقة “قطع الرأس“
تكمن المفارقة في أن محاولة إنهاء أسطورة قد تُنتج أسطورة أخرى. فالشخصية التي كان يُنظر إليها باعتبارها محور سلطة مطلقة قد تتحول، بعد غيابها، إلى رمز تعبئة يوحّد الفصائل المتنازعة ويشدّد خطاب المواجهة.
الرهان على أن النظام سيتفكك فورًا قد يتجاهل حقيقة أن مؤسسات مثل الحرس الثوري تمتلك استقلالية تنظيمية وشبكات نفوذ عميقة داخل الدولة والمجتمع.
الحسابات الجيوسياسية
من منظور استراتيجي، لإسرائيل مصلحة مباشرة في تحييد خصم إقليمي يدعم خصومها المسلحين، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة ضبط توازنات الطاقة والأمن في الخليج.
لكن الفجوة بين المكسب التكتيكي والاستقرار طويل الأمد تبقى قائمة.
في حال غياب خريطة طريق انتقالية واضحة أو تفاهمات مسبقة مع مراكز قوى داخل النظام، قد يؤدي غياب القيادة إلى صراع داخلي بين مكونات الدولة: العسكريين، ورجال الدين، والتيار التكنوقراطي. والسيناريو الأخطر ليس الفوضى وحدها، بل احتمال عسكرة أشد للنظام.
تداعيات إقليمية محتملة
إيران غير مستقرة قد تلجأ إلى أدوات الحرب غير المتكافئة: هجمات بالوكالة، استهداف الملاحة، أو تصعيد عبر حلفائها الإقليميين.
ودول الخليج تراقب التطورات بقلق، إذ إن أي اضطراب داخلي إيراني قد ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وأمن الممرات البحرية.
كما أن دولة ضعيفة لا تعني بالضرورة دولة مسالمة؛ بل قد تتحول إلى ساحة تنافس مفتوحة بين القوى الكبرى.
البداية السريعة.. والنهاية البطيئة
الحروب قد تبدأ بضربة “جراحية” ورسالة قوة واضحة، لكن نهايتها تتطلب شرعية ومؤسسات وتسويات سياسية. من دون تصور متكامل لمرحلة ما بعد خامنئي، قد يتحول إسقاط القمة إلى حلقة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي.
إيران، بوصفها كيانًا معقدًا يدمج الدين بالمؤسسة العسكرية والهوية الوطنية، لا تقوم على شخص واحد فقط. ضرب رأس النظام لا يعني بالضرورة انهياره؛ فقد يؤدي إلى تصلبه أو إعادة تشكيله تحت قيادة أكثر تشددًا.
مفترق طرق إقليمي
قد يفتح مقتل خامنئي الباب لتحول عميق في توازنات الشرق الأوسط. لكنه قد يطلق أيضًا مرحلة طويلة من عدم اليقين، تتداخل فيها رمزية الشهادة مع منطق الانتقام الجيوسياسي.
السؤال الجوهري إذًا ليس ما إذا كان العالم سيحزن على الرجل، بل ما إذا كانت القوى التي اتخذت قرار المواجهة تمتلك تصورًا واضحًا لليوم التالي.
فالتاريخ يُظهر أن إسقاط القادة أسهل بكثير من بناء أنظمة بديلة قادرة على الاستمرار.