العنف كأداة دولية: هل يتشكل نظام عالمي جديد على أنقاض الفوضى؟

0 58

تحليل – د/ سارة غنيم 

لم تعد الحرب احتمالًا بعيدًا، بل واقعًا يتشكل تدريجيًا في الأجواء الدولية، بعدما جرى تقديمها مرارًا باعتبارها “عمليات جراحية دقيقة”، بينما تكشف حقيقتها عن انزلاق متواصل نحو مستنقع من العنف يصعب الخروج منه.

هذا التحول يعكس تغيرًا عميقًا في طبيعة العلاقات الدولية، حيث لم يعد العنف استثناءً، بل أصبح أداة معترفًا بها لإعادة تشكيل موازين القوى، في انتظار تبلور نظام عالمي جديد، لا تزال ملامحه غامضة، وإن كان يستدعي في بعض جوانبه نماذج إمبراطورية تاريخية.

في هذا السياق، برزت تحولات واضحة منذ بداية الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تمثلت في تعزيز مواقع روسيا، وصعود الصين كقوة أكثر انضباطًا وتجنبًا للاندفاع، إلى جانب حضور متزايد لرأس المال العربي داخل الاقتصادات الغربية.

في المقابل، تواجه الولايات المتحدة أزمة متنامية في هيبتها الدولية، مع تراجع قدرتها على فرض الإجماع، بينما تبدو أوروبا في حالة ارتباك، تميل إلى الانكفاء بدلًا من لعب دور فاعل في صياغة التوازنات الجديدة.

ويرى مراقبون أن العالم يتجه نحو إعادة تشكيل نظام دولي جديد، تتراجع فيه الهيمنة الأحادية، مقابل صعود قوى دولية كبرى مثل الصين وروسيا، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات تتعلق بتراجع النفوذ وتآكل الإجماع الدولي حول سياساتها.

قيادات قوية ونهج تصادمي

ويشهد المشهد الدولي بروز قيادات تتبنى سياسات أكثر صرامة، في مقدمتهم الرئيس الصيني شي جين بينغ، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذين تختلف أساليبهم لكنهم يشتركون في إعادة تعريف أدوات النفوذ السياسي.

أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيُنظر إليه باعتباره شخصية غير مستقرة سياسيًا، تحركها اعتبارات القوة والنفوذ، في مشهد دولي يتسم بقدر كبير من السيولة وعدم اليقين.

تداعيات إقليمية ودولية متشابكة

وتنعكس هذه التطورات على استقرار المنطقة، مع تصاعد المخاوف من اتساع رقعة الصراع، وتأثير ذلك على الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل ارتباط المنطقة بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

كما يُحذر محللون من أن استمرار النهج التصادمي قد يؤدي إلى زيادة حدة الاستقطاب الدولي، وارتفاع معدلات الهجرة والنزوح، فضلًا عن تنامي خطاب الكراهية والتوترات المجتمعية.

نتنياهو والصراع المفتوح

في الشرق الأوسط، يبرز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كأحد أبرز تجليات هذا العصر المضطرب، حيث ترتبط سياساته بمسار طويل من التصعيد، ورفض مسارات التسوية السياسية، وتعزيز الاستيطان، وإدارة الصراع بمنطق القوة المستمرة.

ويرى مراقبون أن هذا النهج ساهم في تعقيد المشهد الفلسطيني، وأدى إلى دورات متكررة من العنف، كان أبرزها الحرب الأخيرة في غزة، التي خلفت خسائر بشرية كبيرة وأعادت طرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الحلول العسكرية.

كما يشير محللون إلى أن استمرار الصراع يعزز حالة الاستقطاب، ويغذي التوترات الإقليمية، خاصة في ظل التداخل مع قوى إقليمية مثل إيران، ما يزيد من احتمالات اتساع رقعة المواجهة.

نظام عالمي قيد التشكل

في المحصلة، يبدو العالم أمام مرحلة انتقالية، تتراجع فيها القواعد التقليدية، ويصعد فيها منطق القوة، وسط غياب رؤية واضحة لنظام دولي مستقر.

ويرى خبراء أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى أزمات أعمق، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضًا الاقتصادي والاجتماعي، في ظل ترابط العالم وتأثره السريع بأي تصعيد.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يقود هذا التصعيد إلى نظام عالمي أكثر توازنًا، أم إلى فوضى ممتدة يصعب احتواؤها؟

اقرأ أيضا:
رغم الضربات والاغتيالات.. لماذا لا ينهار النظام الإيراني؟

Visited 7 times, 8 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق