مفاوضات جنيف تعود من بوابة عُمان… وتشاؤم أمريكي من “وعد” إيراني قابل للانقلاب

0 12

كتبت : بريجيت محمد 

استؤنفت في جنيف جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، بصيغة “مثلثية” تتوسط فيها سلطنة عُمان، في محاولة لصياغة تفاهم يمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية أوسع.

ورغم استئناف المسار الدبلوماسي، تُحيط بالمحادثات أجواء من التشاؤم، مع عودة هواجس قديمة في واشنطن بشأن “تجارب خداع” سابقة، انتهت – وفق الرؤية الأمريكية – بتنازلات من طهران اتضح لاحقًا أنها غير قابلة للبناء عليها.

في المقابل، يبرز داخل النقاش الغربي نقدٌ ذو طابع “تقدمي” موجّه إلى دونالد ترامب، يتهمه بأنه أطلق وعودًا بالدعم لإيرانيين خرجوا إلى الشوارع، ثم تركهم دون سند فعلي.

المثير أن بعض الأصوات التي تنطلق من دوافع إنسانية تعود لتستدعي خيار الضغط العسكري، مستندة إلى سجل القمع في الداخل الإيراني، وما يُقال عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا في موجات مواجهة سابقة بين السلطة والمتظاهرين.

احتجاجات الجامعات وملف الداخل الإيراني… ضغط مزدوج على النظام

تزامن استئناف مفاوضات جنيف مع عودة الاحتجاجات إلى عدد من الجامعات، ما يضيف عامل ضغط داخلي في وقت حساس.

وفي طهران، تبدو القيادة السياسية والدينية أمام معادلة صعبة: أي ليونة خارجية قد تُقرأ داخليًا كعلامة ضعف، فيما تشدد الداخل يفاقم عزلة النظام ويعقّد فرص التفاهم.

وتشير تقديرات واردة في التحقيق إلى أن جزءًا من منظومة الحكم بات يتصرف كما لو أن “النهاية تقترب”؛ إذ تتزايد مؤشرات هروب رؤوس الأموال، لا سيما من دوائر ثرية داخل الجهاز الديني–العسكري، ممن يُتهمون تاريخيًا بتكديس الثروة وتأمينها في الخارج.

ومع ذلك، لا يظهر المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي أي استعداد للتراجع، بل تنقل مصادر أنه رفض مقترحًا أمريكيًا يتعلق بالمنفى دون تردد.

خامنئي وإعادة بناء “محور المقاومة”… رهانات الصواريخ والوكلاء

وفق ما يطرحه التحقيق، يبدو خامنئي مصممًا على إعادة ترميم ما يُعرف بـ“محور المقاومة”، عبر تعزيز القدرات العسكرية وشراء منظومات صاروخية من روسيا والصين، الحليفين اللذين يُنظر إليهما في طهران باعتبارهما سندًا استراتيجيًا في مواجهة الغرب.

ويذهب النص إلى أن النظام يرى في ما جرى خلال صيف 2025 – وفق روايته – لحظة اختبار كبرى أثبتت، من وجهة نظره، أن “الاستمرارية” هي معيار النصر، حتى لو كانت الكلفة عالية.

هل تستطيع إيران الفوز على أمريكا؟” تعريف مختلف للنصر

يطرح التحقيق سؤالًا محوريًا: كيف يحسب خامنئي “الانتصار” إذا اندلعت مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة؟ ويجيب عبر فرضية أساسية: بالنسبة للمرشد، البقاء ذاته هو النصر.

فالمعيار ليس حجم الخسائر ولا طبيعة الضربات، بل استمرار النظام، وبقاء القيادة، واستمرار إنتاج الصواريخ، وعدم فقدان المعرفة النووية.

ومن هنا، تُفهم سلسلة من “الادعاءات” التي ينسبها التحقيق إلى خطاب النظام بعد حرب يونيو:

  • أن واشنطن هي التي دعت إلى وقف إطلاق النار، بينما لم تُقدّم طهران – وفق الرواية نفسها – قبولًا رسميًا بل توقفت عن إطلاق النار.
  • أن استخدام الوسطاء للحصول على تهدئة يُقدَّم في الداخل الإيراني كإشارة تراجع أمريكي، لا كإدارة أزمة.
  • أن ضربات الصواريخ أصابت أهدافًا في إسرائيل وكسرت “هالة المناعة”، حتى إن لم تكن الأضرار حاسمة.
  • وأن “المعرفة النووية لا تُقصف”، بمعنى أن تدمير منشأة لا يمحو الخبرة المتراكمة.

رهانات ترامب وحدود “إظهار القوة

ينقل التحقيق قراءة منسوبة إلى مايكل دوران، مدير مركز الشرق الأوسط في معهد هدسون، مفادها أن ترامب بات يدرك أن البرنامج النووي الإيراني وترسانة الصواريخ وشبكة الوكلاء ليست ملفات منفصلة، بل أدوات نفوذ إقليمي. غير أن خطأ التقدير – بحسب الطرح – تمثل في الاعتقاد بأن عروض القوة ستُنتج سريعًا تسوية سياسية.

ويُلمّح النص إلى مفارقة: رئيس صعد إلى السلطة منتقدًا إرث جورج دبليو بوش، يجد نفسه يقترب من منطق “الضغط القاسي” نفسه في الشرق الأوسط، مع اختلاف السياق والأدوات.

نظرية حرب مختلفة: الزمن حليف طهران

يرسم التحقيق صورة لمعادلة استراتيجية تتبناها إيران: الزمن يعمل لصالحها، والصراع مع الولايات المتحدة ليس “ملفًا تقنيًا” يُغلق بتسوية، بل مواجهة أيديولوجية طويلة النفس.

لذلك تُعد الخسائر البشرية والسياسية مأساوية لكنها “محتملة” داخل نظرية الصمود.

ويضيف النص أن الاحتجاجات الأخيرة لم تُليّن موقف خامنئي، بل زادت تصلبه؛ فكلما اشتد الضغط داخليًا، ارتفع ثمن الظهور بمظهر المتساهل خارجيًا، لأن أي تنازل قد يُسرّع التشقق الداخلي في نظام يقوم على الخوف والصرامة الأيديولوجية.

حسابات البقاء: استقطاب أمريكي وتحالفات إقليمية مترددة

بحسب التحقيق، يراهن خامنئي أيضًا على قدرته على “البقاء سياسيًا” أمام ترامب، مستندًا إلى عوامل مثل الاستقطاب داخل الولايات المتحدة، وإرهاق الحروب، وهشاشة التحالفات، وميل قوى إقليمية كالسعودية وتركيا إلى الدعوة للحذر وتجنّب الانفجار.

كما يتحدث النص عن أن قدرات الاعتراض والدفاع الأمريكية ليست بلا سقف من حيث الكلفة والقدرة، وأن الصين تستفيد من إبقاء واشنطن منشغلة في مسرح الشرق الأوسط، ما يدفع – وفق هذا التصور – إلى تعزيز القدرات الصاروخية الإيرانية كأداة ضغط طويلة الأمد.

عقدة التسوية: تنازلات الخارج قد تفجّر الداخل

الخلاصة التي يدفع بها التحقيق أن الصواريخ والوكلاء والقدرات النووية بالنسبة لخامنئي ملف وجودي، لا مجرد أوراق تفاوض.

أي تنازل واسع قد يُفكك الردع الذي يستند إليه النظام، ويهز شرعيته الداخلية، ويضعف شراكته الاستراتيجية مع بكين. لذلك يُفضّل المرشد خيار المواجهة أو “المقاومة الطويلة”، على تسوية قد تُقرأ كإعلان هزيمة.

مأزق ترامب: بين تغيير النظام و”ضربة ثم انسحاب

يضع التحقيق الرئيس الأمريكي أمام خيارين كلاهما مكلف:

  1. إن أعلن السعي لتغيير النظام صراحة، فقد يقع في فخ “التحول الدائم” الذي لاحق تجربة بوش.
  2. وإن كرر نموذج “ضربة قوية مع بقاء خامنئي”، فإن الجمهورية الإسلامية ستعلن النصر مجددًا، وتعيد بناء ما تضرر، وتنتظر تغيّر المزاج السياسي في واشنطن.

ومن هنا يبرز دور “الصقور” الذين يدفعون نحو مسار هجومي أوضح، بينهم إسرائيل، وفق ما يرد في النص.

هؤلاء يرون أن الإكراه العسكري لا جدوى منه دون هدف سياسي محدد ومتابعة حازمة، لأن جهاز الأمن الإيراني لا يُظهر شقوقًا واضحة، حتى إن وُجدت انقسامات داخل النخبة الأوسع.

إيران أولًا”.. روحاني وخط صدع داخل النخبة

يرصد التحقيق مساحة اختلاف داخل دوائر الحكم، عبر الإشارة إلى خطاب منسوب للرئيس السابق حسن روحاني يدعو إلى نهج “إيران أولًا”: إصلاحات داخلية، تعافٍ اقتصادي، انفتاح سياسي تدريجي، وتقليل التوتر مع الغرب. ويستشهد النص بتحذيرات روحاني من أن قمع المجتمع بدل إصلاحه قد يدفع شرائح واسعة للبحث عن “تدخل خارجي”، مع دعوة صريحة لخفض التوتر مع واشنطن.

ويُقدَّم هذا التيار بوصفه “خط صدع” يمكن للولايات المتحدة محاولة استغلاله سياسيًا، لا سيما إذا تزايدت التناقضات بين ضرورات البقاء الاقتصادي ومقتضيات الصراع الأيديولوجي.

سيناريو “الانتقال” وشروط قاسية… أم إعادة إنتاج الأزمة؟

يتضمن التحقيق تصورًا متشددًا لما ينبغي أن تفعله واشنطن إذا اختارت التصعيد: أن تُعلن أن العمليات لن تتوقف إلا بتغيير بنية الحكم، وعلى رأس ذلك خروج خامنئي وعائلته من البلاد، وتشكيل حكومة انتقالية بقيادة شخصية من طراز روحاني أو من يماثله، تتبنى إصلاحات داخلية وتهدئة خارجية.

كما يورد شروطًا يُفترض أن تقبل بها أي سلطة انتقالية: وقف تخصيب اليورانيوم، قيود صارمة على الصواريخ الباليستية، إنهاء الدعم المالي والعسكري للوكلاء، والإفراج عن السجناء السياسيين.

لكن التحذير المركزي يبقى – وفق النص – أن بقاء خامنئي في السلطة يعني أن النظام سيحوّل أي تسوية إلى “نصر سردي”، وأن سياسة تهدف إلى “تليينه” بدل إزاحته قد تُنتج انتصارًا آخر لطهران، لا نهاية للصراع.

خلاصة التحقيق: “نظرية النصر” الإيرانية… البقاء قبل كل شيء

يختم التحقيق بفكرة تُنسب إلى محللين بارزين: لفهم سلوك طهران، يجب فهم “نظرية النصر” لديها. فالنظام – ومعه شبكة الوكلاء – يقيس النجاح بمعيار واحد: الاستمرارية.

إذا بقي المرشد، واستمر إنتاج الصواريخ، ولم تُمحَ المعرفة النووية، فإيران لم تخسر… بل فازت.

بهذا المعنى، تصبح مفاوضات جنيف أكثر من مفاوضات حول بنود تقنية؛ إنها اختبار لحدود الصبر الأمريكي، وقدرة إيران على تحويل الزمن إلى سلاح، ولقدرة الوسطاء – وفي مقدمتهم عُمان – على منع المنطقة من الانزلاق إلى مواجهة لا يملك أحد ضمانات السيطرة على مساراتها.

اقرأ أيضا:
إيران وواشنطن على حافة الصفقة أو الحرب: مفاوضات إسطنبول تعيد الملف النووي إلى الواجهة 

Visited 2 times, 2 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق