روسيا بين اقتصاد الحرب وضغوط الداخل.. ارتفاع أسعار الغذاء ونقص العمالة يكشفان هشاشة النمو
رغم المظهر الحيوي لمدينة موسكو، حيث المقاهي والمتاجر المفتوحة، تتزايد المؤشرات على ضغوط اقتصادية متراكمة في الداخل الروسي، بعد أكثر من أربع سنوات على الحرب في أوكرانيا. فبينما عزز الإنفاق العسكري عوائد بعض القطاعات، بدأت كلفة «اقتصاد الحرب» تنعكس بوضوح على الأسعار وسوق العمل والعلاقات الدولية.
صعود اقتصادي مدفوع بالطاقة والإنفاق العسكري
عقب العقوبات الغربية التي فُرضت بعد الغزو في 24 فبراير 2022، توقع كثيرون انهيارًا اقتصاديًا سريعًا.
إلا أن روسيا استفادت من ارتفاع صادرات النفط والغاز، ومن توجيه موارد ضخمة إلى الصناعات الدفاعية، ما أسهم في تحفيز قطاعات بعينها.
ووفق بيانات صندوق النقد الدولي، تقدمت روسيا إلى المرتبة التاسعة عالميًا من حيث حجم الاقتصاد في عام 2025، مقارنة بالمركز الحادي عشر قبل اندلاع الحرب.
غير أن هذا النمو وُصف من قبل محللين بأنه «مشوّه»، إذ يعتمد بصورة أساسية على الإنفاق العسكري، ما يخلق اختلالات هيكلية في بقية القطاعات.
مكافآت عسكرية ونقص حاد في العمالة
من أبرز ملامح المرحلة الحالية، تقديم مكافآت توقيع مرتفعة للراغبين في الالتحاق بالجيش، إضافة إلى تعويضات مالية كبيرة لعائلات القتلى.
ورغم أن هذه السياسة تهدف إلى تعزيز الجبهة العسكرية، فإنها تسببت في سحب أعداد كبيرة من القوى العاملة من قطاعات مدنية حيوية.
صحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا» الروسية أشارت إلى «نقص حاد في العمالة»، موضحة أن قطاعات صناعية رئيسية تعاني من غياب مشغلي الآلات وعمال التجميع، مع حاجة تُقدّر بنحو 800 ألف عامل لسد الفجوة.
«أزمة الخيار».. رمز لتضخم متصاعد
على مستوى المستهلكين، باتت أسعار المواد الغذائية مصدر قلق متزايد.
وأثار تضاعف أسعار الخيار منذ ديسمبر موجة تعليقات على مواقع التواصل، حيث اعتبره البعض مؤشرًا على ضغوط التضخم.
وفي منشورات متداولة، شبّهت إحدى المواطنات الأسعار الحالية بـ«أسعار الحرب»، في إشارة إلى ارتفاع كلفة السلع الأساسية التي تدخل في المائدة الروسية اليومية.
ولا يقتصر الأمر على الخضروات، إذ تتحدث تقارير محلية عن تأثيرات أوسع تشمل ارتفاع الضرائب، وتراجع نشاط بعض المطاعم، وضغوط متزايدة على القدرة الشرائية للأسر.
تحولات في العلاقات الدولية
على الصعيد الجيوسياسي، كان أحد أهداف موسكو المعلنة من الحرب منع توسع حلف شمال الأطلسي.
غير أن انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف أدى إلى توسيع حدود روسيا المباشرة مع دول الناتو، في تطور اعتبره مراقبون نقيضًا للهدف المعلن.
كما دفعت العقوبات الغربية روسيا إلى تعميق شراكتها مع الصين، التي أصبحت شريكًا تجاريًا رئيسيًا في مجالات الطاقة والتكنولوجيا. إلا أن تقارير صادرة عن مراكز أبحاث أوروبية، من بينها مركز تحليل السياسات الأوروبية (CEPA)، وصفت العلاقة بأنها غير متكافئة، حيث تعتمد موسكو على بكين أكثر مما تعتمد الأخيرة عليها.
وفي الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، واجهت موسكو تحديات في حماية حلفائها التقليديين، وسط تغيرات إقليمية متسارعة.
اقتصاد قوي في الظاهر.. وضغوط متنامية في العمق
يرى مراقبون أن روسيا تمكنت من تجنب الانهيار الاقتصادي الفوري، لكنها تدفع ثمنًا متزايدًا على المدى المتوسط. فالاعتماد المكثف على الصناعات الدفاعية والموارد الطبيعية، إلى جانب التضخم ونقص العمالة، يضعان الاقتصاد أمام تحديات هيكلية.
وبينما تستمر الحرب في أوكرانيا بتداعياتها الإنسانية والسياسية، تبدو موسكو أمام معادلة صعبة: الحفاظ على زخم الإنفاق العسكري، مع احتواء الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتصاعدة في الداخل.
اقرأ أيضا :
الاتحاد الأوروبي يطلق حزمة عقوبات جديدة ضد روسيا وسط ضغوط أمريكية