اعتقال مادورو أم حرب روايات؟ تحقيق يكشف ما نعرفه وما لا نعرفه عن التدخل الأميركي في فنزويلا
كتبت : بريجيت محمد
في الساعات القليلة الماضية، وجدت فنزويلا نفسها في قلب واحدة من أخطر الروايات الجيوسياسية منذ عقود. تقارير إعلامية أميركية تحدثت عن تدخل عسكري مباشر للولايات المتحدة أسفر عن أسر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد.
تطور وُصف بأنه “مفاجئ تمامًا”، وأعاد إلى الأذهان عمليات مفصلية مثل اعتقال صدام حسين أو مقتل أسامة بن لادن.
غير أن خطورة الحدث لا تكمن فقط في طبيعته العسكرية، بل في تداعياته القانونية والسياسية: هل نحن أمام عملية عسكرية مشروعة؟ أم انتهاك صارخ لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة؟ وهل يضع هذا التدخل إدارة ترامب – إن ثبت – في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي؟
أولًا: الرواية الأميركية – ما الذي قيل رسميًا؟

بحسب ما نقلته شبكة CNN، وصف باتون والش، كبير مراسلي الأمن الدولي في الشبكة، العملية بأنها “أكثر تدخل عسكري أجنبي حدة خلال رئاسة دونالد ترامب”.
وأضاف أن ما جرى يُظهر أن ترامب “كان جادًا في تعهده بإزاحة مادورو”، وأنه نجح – على ما يبدو – في تحقيق ذلك خلال ساعات قليلة.
ووفق الرواية ذاتها، نُفذت العملية في منتصف الليل، وسط تحركات عسكرية مكثفة في سماء كاراكاس، وانتهت بنقل مادورو خارج البلاد.
ويكتسب هذا الوصف ثقله من حقيقة أن الرئيس الفنزويلي كان يحظى بدعم سياسي وعسكري من روسيا والصين، ما يجعل استهدافه خطوة بالغة الحساسية.
ومع ذلك، وحتى لحظة إعداد هذا التحقيق، لم تصدر بيانات رسمية أميركية مكتوبة تؤكد تفاصيل العملية، كما لم يصدر توثيق مستقل من الأمم المتحدة أو جهات دولية محايدة.
ثانيًا: كاراكاس ترد – السيادة أولًا
في المقابل، سارعت الحكومة الفنزويلية إلى إدانة ما وصفته بـ”الهجوم الجبان”، معتبرة أن ما جرى – إن صح – يمثل انتهاكًا مباشرًا لسيادة الدولة.
وأكد وزير الخارجية الفنزويلي أن بلاده فعّلت القنوات الرسمية لعقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن الدولي.
بالنسبة لكاراكاس، لا يتعلق الأمر بإزاحة رئيس مثير للجدل، بل بسابقة خطيرة قد تفتح الباب أمام شرعنة التدخل العسكري لإسقاط حكومات غير مرغوب فيها سياسيًا.
ثالثًا: الاتحاد الأوروبي وميثاق الأمم المتحدة – موقف رمادي
اللافت أن الاتحاد الأوروبي، عبر ممثلته العليا للشؤون الخارجية كايا كالاس، شدد على ضرورة احترام ميثاق الأمم المتحدة، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن بروكسل لا تعترف بشرعية نيكولاس مادورو.
هذا الموقف يسلط الضوء على مفارقة قانونية عميقة: كيف يمكن للمجتمع الدولي حماية المدنيين والدفع نحو انتقال سياسي، دون انتهاك مبدأ السيادة؟
ميثاق الأمم المتحدة ينص بوضوح على حظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة، باستثناء حالتين فقط: الدفاع عن النفس أو تفويض صريح من مجلس الأمن.
وحتى الآن، لا توجد مؤشرات علنية على صدور مثل هذا التفويض.
رابعًا: «درع السيادة» – ماذا يقول القانون الدولي؟
يمثل مبدأ السيادة حجر الزاوية في النظام الدولي منذ تأسيس الأمم المتحدة. ووفق هذا المبدأ، لا يجوز لأي دولة التدخل عسكريًا داخل حدود دولة أخرى بهدف فرض تغيير سياسي.
تستند فنزويلا إلى هذا المبدأ في طلبها تدخل مجلس الأمن، معتبرة أن أي عملية عسكرية دون تفويض أممي تمثل خرقًا صارخًا للقانون الدولي.
وفي حال ثبوت صحة الرواية الأميركية، فإن القضية قد تتحول إلى اختبار حقيقي لفاعلية النظام الدولي.
خامسًا: مجلس الأمن… ساحة المواجهة المقبلة
انتقلت المواجهة الآن إلى نيويورك، حيث يواجه مجلس الأمن مهمة معقدة: تحديد ما إذا كان ما جرى تهديدًا للسلم الدولي أم إجراءً استثنائيًا تفرضه الظروف.
غير أن الواقع السياسي يفرض قيوده؛ فالولايات المتحدة عضو دائم في المجلس وتملك حق النقض (الفيتو)، ما يجعل صدور أي إدانة رسمية أمرًا بالغ الصعوبة.
وهنا يبرز السؤال: هل ما زال ميثاق الأمم المتحدة قادرًا على ضبط سلوك القوى الكبرى؟
سادسًا: البعد العسكري – دور قوة دلتا

مواقع متخصصة في الشؤون العسكرية، من بينها speciali.info، نسبت تنفيذ العملية إلى قوة دلتا الأميركية، إحدى أكثر الوحدات الخاصة سرية في العالم.
تأسست هذه الوحدة عام 1977، وتخصصت في العمليات عالية الحساسية مثل مكافحة الإرهاب، إنقاذ الرهائن، واستهداف الشخصيات ذات القيمة العالية.
وسبق أن شاركت في عمليات مفصلية، من بينها أسر صدام حسين عام 2003.
غير أن طبيعة عمل هذه الوحدة تعتمد أساسًا على السرية المطلقة، ما يجعل التحقق من دورها في فنزويلا مسألة شديدة التعقيد.
سابعًا: أسئلة بلا إجابات
رغم كثافة الروايات، تبقى أسئلة جوهرية معلقة:
هل جرت العملية فعلًا كما وُصفت؟
إن صحت، فهل تمت بتنسيق دولي أم بقرار أحادي؟
هل كان هناك اتفاق سري داخل المؤسسة العسكرية الفنزويلية؟
وما هي التداعيات القانونية على الولايات المتحدة؟
غياب الإجابات يعكس حجم الضبابية التي تحيط بالحدث.

خاتمة: بين الواقع والرواية
ما يجري في فنزويلا – إن تأكدت تفاصيله – قد يمثل نقطة تحول في مفهوم الشرعية الدولية. أما إذا اتضح أن الرواية مبالغ فيها أو غير دقيقة، فإنها تكشف بدورها عن خطورة توظيف السرديات العسكرية في صراعات النفوذ.
في الحالتين، يظل ميثاق الأمم المتحدة المرجعية الأخيرة في عالم تتزايد فيه المناطق الرمادية، بينما يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما زالت القواعد الدولية قادرة على كبح القوة، أم أن العالم يدخل مرحلة جديدة تُفرض فيها الوقائع قبل الشرعية؟
اقرأ أيضاً:
تقارير: ترامب يوجه إنذارًا نهائيًا لمادورو بمغادرة فنزويلا فورًا مقابل “مرور آمن”