حوار خاص مع الكاتب عمرو أنور يكشف رحلته من الإذاعة المصرية إلى عالم الرواية وإصداراته الأدبية التي لاقت نجاحًا كبيرًا
أجرت الحوار د. أمل درويش
معنا ضيف استثنائي، بدأ حياتَه المهنية من الإذاعة المصرية، عبر مسابقة تقدم إليها العديد من المنافسين، ولكنه استطاع بمهارتِه وموهبتِه حجز مكانٍ له في العمل الإذاعي، في وقت كان الميكروفون هو بطل الحدث، والراديو صديق حميم لكل المستمعين..
استطاع ضيفُنا بجهدِه وكفاءتِه ارتقاء السُلّم الوظيفي حتى وصل إلى منصب كبير المذيعين في الإذاعات الموجهة؛ وتحديدا في البرنامج العبري..
تنوعت أعمالَه الإذاعية بين ترجمةِ الأخبار وإذاعتها، كما قدم العديد من البرامج الثقافية، والسياسية.
ثم انتقل إلى التليفزيون، بجانب العمل الإذاعي، لتقديم فقرة مخصصة للبث باللغة العبرية.
حتى التفت إلى موهبة الكتابة الإبداعية؛ فبدأ بالقصة القصيرة، ثم الرواية.
والليلة ننطلق معه في رحلة إلى الجزيرة الملعونة، حيث نواجه في قلعة النسيان مضطربون ولكن ظرفاء، وننطلق لنحرر الأسيرة، حتى نصل إلى المتمردة وكرسي العرش، لنواجه الأميرة والأحدب بالملكة وأنا، وفي الكهف حيث توجد الجميلة والحطاب، نجد آدم بين مطرقة حواء والسندان، ونعود للقاهرة 70 فيفاجئنا المضطربون قادمون، يدبرون المكيدة ويخفون جامبون في التابوت قبل السقوط في الوحل عند قاع المدينة حيث توجد دنيا الغواني، وتتساقط الدموع على مرقص الحياة..
رحلة مفعمة بالمغامرة والسحر نخوضها الليلة مع الكاتب الروائي عمرو أنور..
في البداية دعنا نتعرف على حضرتك عن قرب:
أتوجه بخالص شكرى وتقديرى للأديبة الدكتورة / أمل درويش على اتاحتها الفرصة لى لكى أتواصل مع قراء الجريدة الغراء متمنيا لها دوام التوفيق والتألق
الكاتب والروائى عمرو أنور
التحقت بالجامعة المصرية كلية الأداب قسم اللغات الشرقية ودرست اللغة العبرية ، أنهيت الدراسة الجامعية عام 1984 ، ثم عُينت في الإذاعة المصرية شبكة الإذاعات الموجهة (البرنامج العبرى) بعد اجتيازى مجموعة اختبارات ترجمة وصوت وإلقاء ، تم اختيارى ضمن مجموعة من الزملاء للعمل فى التليفزيون المصرى قناة النايل تى فى والتى كانت تبث إرسالها باللغة العبرية على مدى ساعتين يوميا لإسرائيل كما التحقت بشبكة الإستماع السياسى فى الإذاعة قسم اللغة العبرية
تدرجت فى العمل الإذاعى من مذيع إلى مذيع أول إلى مدير إدارة اللغات غير العبرية ثم كبير مذيعين بدرجة مدير عام ثم عضو اتحاد الكتاب ..
درست العزف على آلة العود فى معهد الموسيقى العربية قسم الدراسات الحرة ، وأخيرا اتجهت لكتابة الروايات الطويلة والقصة القصيرة
رغم دراستى للغة العبرية وعملى بالإذاعة والتليفزيون باللغة العبرية إلا أننى كنت شغوفا دائما باللغة العربية ..بدأت كتابة الروايات والقصص القصيرة حتى وصلت اصداراتى إلى 22 اصدارا منهم 17 رواية طويلة وخمس مجموعات قصصية بدأت كتابة الروايات الطويلة بسلسلة (قلعة النسيان) والتى وصلت إلى ثمانى روايات وهى محاكاة لألف ليلة وليلة تبدأ برواية الجميلة والحطاب .. التابوت .. الأسيرة .. المكيدة .. الجزيرة الملعونة .. المتمردة وكرسى العرش ..
الأميرة والأحدب .. الملكة وأنا ..

ثم اتجهت إلى كتابة الروايات الإجتماعية فكتبت سلسلة من ثلاث روايات (دنيا الغوانى) (قاع المدينة) (دموع على مرقص الحياة) وهذه السلسلة معنية برصد التحولات الإجتماعية فى مصر على مدى 30 عاما
ثم اتجهت إلى كتابة الرواية الإجتماعية التاريخية وهى (القاهرة 70 ) و(الصفعة) وتناولت فيها الأحداث السياسية خلال عشر سنوات بداية من عام 70 وحتى عام 80 ..
ثم اتجهت لعالم الجاسوسية وكتبت سلسلة مكونة من ثلاث روايات (السقوط فى الوحل) .. (الكهف) .. (جامبون) وتناولت فيها قصة حياة جاسوسة أردنية من أصل قوقازى استطاع الموساد تجنيدها فخانت بلادها ودينها وعروبتها ..
كما كتبت خمس مجموعات قصصية وهى (مضطربون ولكن ظرفاء) ، (المضطربون قادمون) ، (آدم بين مطرقة حواء والسندان) ( إنى راحلة) و (صرخة) ..
نبدأ رحلتنا مع المرحلة الأولى:
من المعروف أن سلسلة “قلعة النسيان صدرت فى ثمانية أجزاء وهى محاكاة لقصص ألف ليلة وليلة بإسلوب أدبى سردى خيالى لا يخلوا من الإسقاطات السياسية يميل إلى المغامرة ، فهل كانت النية مبيتة من البداية أن تكون سلسلة أم أن نجاح العمل دفعك لإستثمار هذا النجاح وتقديم أجزاء أخرى ؟
ـ الأمر الغريب أننى بعد أن كتبت الرواية الأولى (الجميلة والحطاب) فى السلسلة لم أنشرها بعد الكتابة مباشرة ، ولكنى احتفظت بها مكتوبة بخط يدى فترة من الزمن ، ثم كتبت الجزء الثانى ونحيته جانبا ولكن بعد كتابة الجزء الثالث بعنوان (الأسيرة) ، وبعد أن قدمت للناشر الثلاث روايات ، اقترح علىَّ أن ننشرهم فى مجلد واحد ولكن حجم الروايات أعاق هذا الإقتراح فأصدرهم ثلاث روايات ، وأذكر جيدا أنه امتنع عن نشر (ألف ليلة وليلة) لمدة عامين متتاليين واعتبر أن سلسلة قلعة النسيان بديلا ل (ألف ليلة وليلة ) التى اعتاد طبعها سنويا ..
ـ من خلال الجزء اليسير الذى قرأته من إبداعكم لاحظت استخدامك للغة العربية الفصحى ، فما هو رأيك فيمن يستخدم اللهجة العامية فى الحوارات ، معتبرا أنها أكثر واقعية للقارئ ؟
ـ أنا لا أستخدم العامية على الإطلاق فى أعمالى الأدبية لأننى أعتقد اعتقادا راسخا أن اللغة العربية الفصحى هى لغة راقية للغاية ويستطيع الكاتب أن يعبر عما يريد بها لأنه بذلك يرتقى بعمله الأدبى ، لذلك أنا على قناعة كبيرة بأن هدف الكاتب فى النهاية أن يرتقى بذوق القارئ عن طريق السرد باللغة العربية الفصحى ، ولقد رفضت أكثر من عرض لكتابة حتى الحوار بين أبطال العمل باللغة العامية لأننى أرى من جانب آخر أن اللغة العامية أقل درجة من حيث المستوى فى التعبير ..
ننتقل للمرحلة الثانية:
أيهما أقرب لإيصال الفكرة للقارئ القصة القصيرة أم الرواية ؟
ـ لا أريد أن أعقد مقارنة بين الإثنين ، أولا لأن بعض القراء يفضل قراءة القصة القصيرة ولا يميل إلى قراءة الروايات الطويلة متعللا أحيانا بالإنشغال الدائم ولا يجد الوقت الكافى لقراءة الرواية وربما لايجد أن عنصر التشويق حافزا له على مواصلة القراءة ، أحيانا يميل كثير من القراء الوصول لنهاية العمل الأدبى لمعرفة مصير أبطال العمل لذلك يفضل العمل الأدبى الذي يساعده على تحقيق مراده فيفضل قراءة القصة القصيرة ، ولكل عمل أدبى سواء كان قصة قصيرة أو رواية من خلال حبكة محكمة أن يقوم بتوصيل الفكرة للقارئ بسهولة ، يمكنني القول أن الرواية تحتمل أكثر من فكرة ولهذا أرى أنها الأقرب لتوصيل الفكرة للقارئ ..
ـ وأيهما أقرب إلى قلمك وأمتع فى التعبير عن مكنونات نفسك ؟
ـ الرواية هى الأقرب إلى نفسي لأننى أستطيع من خلال السرد توصيل عدة أفكار فى آن واحد والتدليل على هذه الأفكار من خلال الحوار بين شخوص العمل
هل نحن فى زمن القصة القصيرة ؟ ونحن نعانى من ضيق الوقت وانصراف الكثيرعن القراءة ونحن فى عصر الإلكترونيات التى تبتلع ما تبقى من أوقاتنا ؟
ـ بالعكس العصر الذى نعيش فيه هو عصر الرواية ، من اعتاد القراءة والمطالعة سيجد الوقت الكافى لها ..
وهل جيل اليوم قادر على تفكيك حالة التكثيف التى تتسم بها القصة القصيرة وفهم تأويلاتها للوصول إلى الفكرة التى تقوم عليها الأحداث والهدف منها ؟ خاصة ونحن نعانى من اهمال هذا الجيل للغة العربية واستبدالها بلغات أخرى أجنبية ؟
ـ بالتأكيد اهمال اللغة العربية يعتبر جريمة فى حق أبنائنا ، لأنها بصرف النظر عن أنها ترتقى بعقلية القارئ فهى التى تحفظ الهوية العربية ، وربما يكون الحصول على المعلومة الآن أيسر كثيرا من عقود مضت ، ولكنى أرى أيضا أن القراءة هى حياة والقراءة بالعربية تضيف كثيرا للمتلقى ، والأجيال الحالية لديها انفتاح كبير على ثقافات متعددة وهذا بالتأكيد يساعدها على فهم المغزى الذى يطمن فى القصة القصيرة ..
من الواضح اهتمامك بالحالة النفسية لشخوص رواياتك وهذا ما نلحظه فى عناوين المجموعات القصصية والحديث عن اضطرابات النفس البشرية ، فهل تلجأ إلى أخصائيين نفسيين للبحث عن أعراض الاضطرابات النفسية وتشخيصها قبل الشروع فى كتابة هذه الأعمال ؟
ـ أنا دائم القراءة فى كتب علم النفس عن الحالات المرضية المثيرة كالفصام والأشخاص ذوى الثنائية القطبية وغيرها من الإضطرابات المتعددة ، ومن خلال هذه القراءات أستطيع فهم ولو بقدر يسير طبيعة الشخصية التى أتناولها فى كتاباتى ..
ـ العلاقة بين المرأة والرجل .. علاقة شائكة ، يلزمها مجلدات لفهم سيكولوجية المرأة وقد لفت انتباهى ما كتبته على الغلاف الخلفى للمجموعة القصصية ( آدم بين مطرقة حواء والسندان) :
” عزيزى آدم يُخيل إلى البعض منكم أن الحياة ليست سوى واحة خضراء من أن يعيش فيها فى سلام مع حواء ! والبعض الآخر وأنا منهم يراها ساحة للصراع بينهما دائما ما ينتصر فيها الأقوى ونحن الأقوى ! لقد تركناكم تتوهمون ذلك وهذا الإيهام ليس سوى فخ نصبناه لكم لنحكم سيطرتنا عليكم ! وبما أننا الأقوى سنفعل ما بدا لنا وسنخضعكم لإرادتنا شئتم أن أبيتم ، وستشهد ساحة الحياة على انتصار محق لنا ..”
كلمات قوية ، ولكن الغريب أنها صادرة من امرأة ، وأنا كنت أظن أن البطل هو آدم
ـ أنا لا أعنى هنا القوة الجسمانية فقط بل أيضا القوة الروحية ، المرأة السوية والتى لا تعانى اضطرابات سلوكية أو نفسية عنيفة هى ولاشك امرأة قوية للغاية ، ودائما ما يركن الرجل إلى كون أنه الأقوى جسمانيا بينما تلجأ هة إلى الحيلة أحيانا كى تتفادى الإصطدام هذه القوة الغاشمة ورغم أن المرأة ضعيفة التكوين الجسمانى مقارنة بالرجل إلا أنها أقوىمنه على التحمل ويشهد على كلامى هذا الالام التى تعانى منها المرأة لحظة الولادة ..”
ـ أيهما أصدق فى التعبير عن مشاعر المرأة الكاتب الرجل أم الكاتبة المرأة ؟
الرجل بلا شك ، ويؤكد كلامى هذا الكاتب إحسان عبد القدوس ، كان بارعا فى وصف أحاسيس ومشاعر المرأة بدقة شديدة ..
هل فعلا علاقة الرجل بالمرأة علاقة صراع واشتباك طوال الوقت ؟ خاصة حينما نتحدث عن علاقة فى اطار الزواج !
ـ أحيانا .. حينما يتناسي كل طرف منهما طبيعة دوره فى الحياة
ماذا تريد أن تقول فى هذه المجموعة القصصية ، خاصة وأننا بالفعل نشهد الكثير من الحوادث والقصص الواقعية التى تكون فيه الضحية دائما المرأة ؟
ـ نزول المرأة إلى ساحة العمل حملها أعباء كبيرة للغاية إضافة للأعباء الملقاة على عاتقها ، وهذا ساهم إلى حد بعيد فى إحساسها بالغبن ، لذلك فى أحيان كثيرة نتيجة الإحساس بالظلم المجتمعى تجأر بشكواها فلا تجد صدى لما تشكو منه بل تجد التجاهل التام من جانب الرجل لذا تتحول الحياة إلى ساحة صراع ..

ـ وما زلنا مع الأعمال الإجتماعية ، ولكن هذه المرة فى ثلاثية “دنيا الغوانى” التى تنقلنا إلى قاع المدينة الملئ بالخفايا والجرائم وذلك من خلال عالم الراقصة “شوشو” ولكن بعيون الفتاة البريئة “نانى” التى تنبهر بهذا العالم حتى تصبح جزء منه .. حدثنا عن التغيرات السلوكية التى حدثت فى المجتمع المصرى خلال هذه الفترة الحرجة من تاريخ مصر
..
ـ هذه السلسلة ضمت ثلاث روايات هى “دنيا الغوانى” .. “قاع المدينة” .. “دموع على مرقص الحياة ” تعرضتُ في هذه السلسلة لتحركات الطبقة الإجتماعية صعودا وهبوطا فمثلا طفت على سطح المجتمع الطبقة الدنيا وفرضت ذوقها الخاص بها على المجتمع بكامله ، وتعرضت طبقة المثقفين للتهميش الكامل من جانب وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ، وتم تسليط الضوء على طبقة معينة وأصبحوا خلال تلك فترة من نجوم المجتمع وقدوة وهو ما أدى إلى انحدار الذوق العام ..
ـ ” القاهرة 70 ” رواية سياسية اجتماعية مهمة صدرت فى جزئين ، تنقل لنا صورة المجتمع المصرى فى الفترة من عام 70 إلى عام 80 تجمع الكثير من المتناقضات فى ظل أزمة حرب الإستنزاف وحالة الإنكسار التى عانى منها المجتمع المصرى بعد النكسة ثم الانتصار وما تلاه من مرحلة حرجة خرجت فيها مصر من حروبها الخارجية لتواجه أزمات اقتصادية طاحنة وكذلك فكرية مع نمو التيار الإسلامى ؟
ـ “القاهرة 70″ و”الصفعة” هما حسب تصنيف النقاد روايات إجتماعية تاريخية ، أى أن المؤلف لا يتدخل بخياله على الإطلاق فى الوقائع التاريخية ولكنه يضع الأحداث التاريخية كما هى ولكن فى إطار اجتماعى ، تعرضت فيهما لأحداث كثيرة سياسية واجتماعية خلال سنوات السبعينيات ..
حدثنا أكثر عن هذه الرواية وما أردت أن تعبر عنه وتخبر به القارئ خاصة وأن هناك جيل كامل لم يعاصر هذه الأحداث وتصله بعض المعلومات المغلوطة من خلال برامج التواصل ؟
ـ أولا لا ينبغى أن نستقى معلوماتنا من وسائل التواصل ، لأن الغرض من وجود هذه البرامج ليس منح المتلقى المعلومة الصحيحة مائة بالمائة ، فوسائل التواصل أصبحت فى الأونة الأخيرة مصدرا هداما كالطابور الخامس داخل المجتمع ، أجبت فى “القاهرة 70” و “الصفعة” على أسئلة كثيرة عن كيفية استعادت سيناء من خلال أحداث فى إطار اجتماعى ..
إذا فكرت فى كتابة رواية جديدة على غرار القاهرة 70 أو لنقل جزء جديد منها فما هى الفترة الزمنية التى تختارها للعمل ولماذا ؟
ـ فترة الثمانينات .. حتى يكون هناك تواصل فى الأحداث مع الفترة السابقة ، من الممكن أن تمتد الأحداث من خلال شخوص الرواية لنهاية الثمانينيات ..
تتميز أعمالكم بالإسقاطات السياسية ، فهل هى مقصودة ؟ أم أنها جاءت مصادفة فى البداية ثم زاد الحرص على ضمها لأحداث أعمالك الروائية ؟
ـ لا لم تكن مصادفة ، فمن خلال عملى فى الإذاعة المصرية والبرنامج العبرى الموجه لإسرائيل ومن خلال قراءاتى المتعددة وجدت أن الإسقاطات السياسية تضفى على العمل عمقا كبيرا وتقوم بتصحيح مفاهيم كثيرة لدى القراء ..
المرحلة الثالثة:
لطالما كانت ملفات الجاسوسية مصدر إلهام للكثير من المبدعين ، فمن منا لم يتابع بشغف سلسلة (رجل المستحيل) للكاتب “نبيل فاروق” وقد شاهدنا جميعا نجاح هذه الأعمال عند تقديمها بشكل درامى مثل مسلسل (دموع فى عيون وقحة) و(رأفت الهجان) و(الصعود إلى الهاوية ) و (إعدام ميت) وغيرها .. ألم تخش المقارنة مع هؤلاء حينما شرعت فى الكتابة فى هذا المجال ؟

ـ لكل كاتب بصمته الشخصية والمتفردة .. فأسلوب الكتابة هو بصمة خاصة بالكاتب ، المعلومات متوفرة إلى حد بعيد عن الشخصيات التى يتناولها كل كاتب ، ولكن التناول هنا وعرض الشخصية على القارئ هو الذى يعطى القارئ بعدا مختلفا عن غيره خلال سرده للأحداث ، ولم يكن فى ذهنى ساعة شرعت فى الكتابة المقارنة مع كتاب آخرون
كيف ساهم عملك الإذاعى فى كتابة هذه السلسلة ؟
ـ عملى فى الإذاعة العبرية الموجهة لإسرائيل وإطلاعى على كم هائل من المعلومات السياسية على مدار الساعة بسبب طبيعة عملى كمذيع متابع للأخبار التى تُذاع باللغة العبرية ساهم فى تنمية قدراتى الذهنية وساعدنى كثيرا على صياغة الأفكار عن العدو
(السقوط فى الوحل) .. من أتت الفكرة ؟ ولماذا ملف “أمينة المفتى” ، مالذى جذبك فى هذا الملف ؟
ـ بعد أن انتهيت من كتابة (القاهرة 70 ) ومن خلال قراءاتى المتعددة عن حرب أكتوبرالمجيدة ومع تعمقى فى دراسة الحالات النفسية امتلأت نفسي شغفا بالبحث عن شخصية مركبة ، وبصراحة شديدة شعرت برغبة شديدة فى الوصول لأغوار شخصية “أمينة المفتى” والدوافع التى كانت وراء خيانتها لوطنها ودينها ..
شخصية تعانى حالة ثنائية القطب .. كيف كانت استعداداتك لهذا العمل ؟ وهل لجأت لأخصائى نفسي لتعرف كيف تكون ردود أفعالها فى المواقف المختلفة ؟
ـ عندما كنت أقرا معلومات عن شخصية “أمينة المفتى” أدركت بعد فترة من البحث أنها تعانى من اضطرابات نفسية عنيفة وقرأت كثيرا عن حالات مشابهة فدرست هذه الحالات جيدا ووجدت أنها تعانى من تقلبات حادة تجعلها تتحول فى ردة فعلها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فى لحظات
لذلك رأيت أنها شخصية ثرية جدا بسبب تلك التقلبات المزاجية الحادة ..
التنوع بين أساليب الإستباق والإسترجاع .. هل كنت تخشي أن يفقد القارئ تركيزه ويضيع بين الأحداث ؟
ـ كنت حريصا للغاية خلال كتاباتى المختلفة والتنوعة أن أجعل القارئ دائم التيقظ من خلال التشويق لمعرفة الأحداث ومصير الشخوص وبالتالى كان أكثر ما يقلقني هو أن ينتاب القارئ الملل فلا يستكمل قراءة الرواية أو العمل الأدبي ، هذا بالإضافة إلى أن لكل كاتب شخصية مختلفة عن غيره واسلوب كتابة كالبصمة تماما ، أحيانا كثيرة أضع نفسى مكان القارئ وعندما أقوم بتسويد العمل ووضعه فى شكله النهائى أقوم أحيانا بحذف بعض الأجزاء التى أشعر أنها قد تسبب الملل للقارئ وعملية الإستباق والإسترجاع متجذرة فى نفس الإنسان أحيانا يلجأ العقل البشرى يلجأ إلى استعادة أحداثا مرت به فى حياته سواء كان لها أثر إيجابى فى نفسه أو سلبى كإسترجاعه لأحزان معينة أو لحظات مرح وسعادة مرت به وأنا أجسد ذلك بكلمات على ألسنة شخوص العمل فى أغلب أعمالى وبخاصة إذا رأيت أنها تفيد فى عرض أفكارى والرسالة التى أريد أن تصل للقارئ ..
ـ هل شعرت بالتعاطف مع شخصية “أمينة” أثناء الكتابة عنها ، وخاصة خلال لحظات الكتابة عن حالة الصراع الداخلى الذى عانت منه ؟
ـ إطلاقا .. كيف أتعاطف مع فكرة الخيانة للوطن والدين والعروبة ، حتى وإن كانت الأضطرابات النفسية التى عانت منها بطلة العمل ، ليس للخيانة ما يبررها ، فالخائن يبحث بداخله عن دوافع لتبرير خيانته ، ربما يتعاطف الكاتب مع شخوص روايته فى حالة واحدة إذا شعر أنها تتعرض لظلم ما أما فى حالة “أمينة” فاوضع مختلف تماما ..
ـ يتفاعل قراء أدب الجاسوسية حينما يكون البطل رجلا يتمتع بروح المغامرة وحب الوطن الذى يدفعه للعمل كجاسوس لبلده ضد العدو ، ألم تتخوف ألا يتقبل القراء فكرة الجاسوسة الخائنة لدينها ووطنها ؟
ـ عرض مصير الخائن على القارئ كان هو الدافع الرئيسى لكتابة هذه الرواية ، أردت أن أوضح للقارئ أنه لا يوجد مايبرر الخيانة وأن يضع نصب عينيه المصير المحتوم الذي ينتظر الخائن ..
يتميز أدب الجاسوسية بالواقعية وسرد الحقائق وهو ما يعيق خيال المبدع ويقيده ، كيف كان توظيف الأحداث ملهما بالنسبة لك ، وما هى الشخصيات التى كانت وليدة إبداعك والتى تم توظيفها لتعزز تدفق السرد وعرض الحقائق ؟
ـ لا يمكن أن يخلوا عمل أدبى من خيال الكاتب وإلا تحول إلى كتاب وتحول الكاتب إلى مؤرخ ، لقد قمت بمزج مابين الأحداث الواقعية وبين الخيال حتى يُصنف فى النهاية على أنه عمل أدبى ، كل الحوارات التى دارت بين ضباط الموساد وبعضهم البعض وبينهم وبين رئيسة وزراء اسرائيل جولدا مائير كانت من الخيال ..
![]()
دارت أحداث ثلاثية ( ملفات الجاسوسية) فى عدة دول عربية وأجنبية ، فهل تحرص على زيارة الأماكن قبل الشروع فى الكتابة على قدر الإمكان طبعا ؟
ـ بما أن أحداث هذه الروية بأجزائها الثلاثة كان من الصعب زيارة الدول التى جرت بها الأحداث ، وكنت أستعيض عن هذا بقراءاتى ومشاهداتى وخيالى ..
(جامبون) .. عنوان الجزء الثالث .. ما سر اختيار العنوان ؟
ـ قمت بإستبدال عنوان الجزء الأخير للرواية أكثر من مرة إلى أن رجحت (جامبون) وهى تعنى لحم فخذ الخنزير وكان العملاء والخونة يتعارفون بها ويتبادلون اثناء تسليم وتسلم المعلومات التى كانت تمدهم بها “أمينة المفتى” بطلة العمل
ـ من المعروف أن الغلاف هو العتبة الأولى للنص ، فهل تتدخل فى اختيار الغلاف وتصميمه ؟
ـ بالتأكيد .. أقوم بالتغيير والتعديل ليس فى ألوان خلفية الغلاف فقط بل أتدخل حتى فى حجم العنوان وألوان الغلاف ..
ـما هي الرسالة التي تريد إيصالها من خلال ثلاثية (ملفات الجاسوسية) ؟
ـ ليس للخيانة ما يبررها ، وأن مهما طال الأمد بالخائن سينكشف أمره وأنه سيتعرض للتعذيب الجسدى والنفسي الذى لايتحمله بشر وسيلقى الجزاء الذى يستحقه فى النهاية ..
ما هي أعمالكم القادمة ؟
ـ أتمنى أن تكون قصة حياة البطل الشهيد “أشرف مروان” هى العمل القادم ..
في النهاية نتوجه لكم بالشكر ونتمنى لكم التوفيق والمزيد من الأعمال.
اقرأ أيضا:
شعيب عبد الفتاح: معركة الوعي ومعنى الوطن في حوار خاص مع الجمهورية والعالم
