نبيـل عمــر يكتب .. الجزء الغامض فى قضية حنين

373

ربما لم يثر حكم قضائى جدلا شعبيا مثل قضية حنين حسام ومودة الأدهم، ، سواء فى القعدات الخاصة أو على صفحات الفيسبوك أو مكالمات الأصدقاء والأقارب، ربما لصغر سنهما وهما على مشارف العشرين بأحلامها وطموحها وحيويتها التى تلاشت وحل محلها  قضبان ويأس ومستقبل مظلم، وربما لطبيعة الحكم نفسه، حنين حُبست عشر سنوات ومودة ست سنوات مدانتين بالاتجار فى البشر، حتى اننى تابعت نقاشا ساخنا لساعة أو أزيد بين مجموعة من الشباب كانوا جالسين فى كافتيريا على كورنيش الإسكندرية، البعض يراه حكما عادلا رادعا فى زمن تفككت فيه الأخلاق وغاب الضمير وابتعد الناس عن دينهم وبات المجتمع فى حاجة إلى رادع يصد بعضا من الانفلات الذى  أصابه، والبعض يراه حكما قاسيا للغاية على جريمة مستحدثة فى القانون، وأن جرائم أكثر خطورة مما فعلته هاتان الفتاتان لا تنال نصف هذه العقوبات المشددة ولا حتى ربعها. وأعاد كثير من متابعى اليوتيوب مقاطع فيديو حنين حسام الذى كان شرارة الاستدعاء من النيابة العامة، إلى جانب فيديو صدور الحكم ومقدمة القاضى الجليل عنه، ثم فيديو حنين وهى تستعطف المجتمع، وكانت التعليقات منقسمة وإن تفوقت نسبة المؤيدين له، وبعض التعليقات اقتصر على آيات قرانية وحسبنة وأدعية.

وفى المساء، جالست إلى مجموعة من الأصدقاء، رجال قانون وصحفيين ومهندسى كومبيوتر ومديرين، فإذا بالحديث يفر من بطولة أوروبا لكرة القدم وشدة المنافسة، ومن الكلام عن التنمية وما نريده لمصر، وكيفية مواجهة سد النهضة إلى حنين حسام والحكم. ووصف أحدهم  الحكم بالقسوة.

قلت له: الأحكام لا توصف بالقسوة أو الليونة وإنما بمدى التزامها بمواد القانون حسب توصيف النيابة للجريمة واقتناع القاضى  بالأدلة.

قال: إذا كان التوصيف القانونى هو الاتجار بالبشر، فهناك مِئات بل آلاف الصفحات المنتشرة على مواقع التواصل تمارس نفس العمل علنًا وصراحةً، ناهيك عن مواقع «إباحية» تُروِّج  «العيب» تحت مسميات مختلفة، كالتعارف والدردشة، وبالمناسبة، منها مواقع وصفحات مصرية لا يقترب منها أحد. قال محام كبير: القانون لا يعمل ذاتيا، هو ليس إنسانا آليا، وإنما له إجراءات تبدأ بالبلاغ عن الجريمة إلى السلطات، ودون «تلك الخطوة» وهى مسئولية مَنْ يقع عليه الضرر  أو جهة صاحبة مصلحة فلا مساءلة أبدا، ومن السفه مقارنة أفعال مجرمة لها إجراءات واتهامات لم يُقاضها أحد.

قال صديق عاش فى أوروبا فترة: «فلسفة العقاب» فى الجريمة  لها جانبان: جدوى العقاب، والإصلاح المُتوقع منه للمتهم، وأحيانا يكون هناك من الملابسات والظروف الشخصية للمتهم ما يُبرر استعمال الرأفة معه، لأن الهدف من العقوبة ليس تدمير المتهم أو القضاء على مستقبله، وإنما لطمه على رأسه لضمان رجوعه عما كان يفعله، وهنا يجوز تخفيف العقوبة، والنزول بها إلى حدها الأدني، وقد ترى المحكمة فى تلك الظروف والملابسات ما يدفعها إلى إيقاف تنفيذ العقوبة المُقيدة للحرية لمدة من الزمن، فرصة أخيرة  للمتهم لتقويم تصرفاته خلال تلك المدة، وقد فعلها القاضى فعلا مع عدد غير قليل من المتهمين فى جلسة حنين نفسها.

ثم قال: جريمة الاتجار فى البشر لها ٦ أشكال:  سخرة العمالة، الاتجار فى الجنس، الاتجار فى الأعضاء، تجنيد الأطفال عسكريا، زواج الأطفال، عبودية الديون، وحنين ١٩ سنة، أتصور أن لا سنها ولا تجاربها تتيح لها القدرة على الدخول إلى هذا العالم  الموغل فى البشاعة. قال صديق مهندس برامج كمبيوتر: قضية حنين معقدة وليست سهلة، ويبدو أن الجزء الخفى فيها أكبر من المعلن، وأغلب من يتحدث عن قسوة الحكم يجهل «خبايا التطبيقات» على شبكات التواصل الاجتماعي، وكما فيه تطبيقات تجارية عادية كالفيسبوك وانستجرام، فيه تطبيقات خبيثة الأغراض، والتطبيق الذى تحدثت منه حنين فى الفيديو وتسبب فى البلاغ ضدها هو من النوع السيئ، وأى تطبيق له خاصية الإحالة، يعنى لو لك حساب عليه ممكن تأخذ رابط الإحالة (اللينك)، وترسله لأصحابك أو لأى ناس، فإذا سجلوا عن طريقك، وعملوا عمليات تجارية منه، فأنت لك عمولة عن كل عملية. ومن التطبيقات الخبيثة تطبيقات الدعارة، وفيها نوعان، نوع تفتحه مباشرة وتطلب ما تريد بالمواصفات والزمن والسعر،  والطلب يأتى إليك فى المكان الذى تحدده، وتطبيق آخر على الهواء، مبلغ ما فى صورة عملات مشتراة من التطبيق نفسه، مقابل لقاءات إلكترونية بين جمهور الزبائن والبنات، بالصمت أو الصور أو الحركات أو الكلام، بعد فترة ينتقل عدد من هؤلاء الزبائن إلى خدمة «الطلب الخاص»، من بنت محددة، فتفتح له الكاميرا لوحده، ويدفع فيها عدد أكبر من العملات، وطبعا المكسب بالآلاف ويزيد كلما ارتفع معدل الطلب الخاص.

فى الأول، البنات تنجر إلى اللعبة الأولى، موجودة على الهواء وفى كامل هندمها من غير ما تعمل أى شىء مخل بالآداب، والزبائن تدخل تتفرج عليها فقط وتعيش فى خيالها وتدفع، لكن بعد فترة يِتْعَرض عليهن «الطلب الخاص» بمقابل مغرٍ، هنا يحدث الصراع النفسي، وقد تكسب الإغراءات المادية، هو حد عمل حاجة بجد؟

قلت: لم أفهم مشكلة حنين.

قال: لم اطلع على ملف القضية كله، لكن فى قضايا مشابهة من تعمل «حسابا» على التطبيق ولها جمهور كبير، قد تدعو البنات أن يسجلن عن طريقها، وغالبا ما تجد استجابة، خاصة وهى لا تجيب أى سيرة عن «الطلبات الخاصة»، فقط الحوارات العامة المحترمة،  ولها عمولة، وأى نسبة من هؤلاء البنات تسقط فى فخ تلك الطلبات الخاصة يرتفع العائد، يعنى ممكن تكسب عشرين أو ثلاثين ألف دولار وهى قاعدة فى البيت ولم تفعل شيئا..هذا هو الاتجار بالبشر.

قلت: كان يجب تفسير الحكم للناس لغلق باب اللغط.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق