بكاء الطفل علاج لبعض أمراض الكلام

451

بقلم: أد/ جودة مبروك محمد

صرخة الحياة يفهمها الأطباء والممرضون في غرفة عمليات النساء والولادة القيصرية، فهي الصوت الأول للطفل في مواجهة الحياة والناس، وبها يبدأ الإنسان في ممارسة وظائفه ، ويقوم بأول بها في مشواره وهو التنفس، الذي قد يبذل فيه مجهودًا تكاد تكون العمل الأول والتوصل بعد عناء في البحث عن وظيفة، وقد تعد الرضاعة أكثر مشقة له، فإنه بحاجة إلى العمل بقوة حتى يحصل على رزقه، واستخراج اللبن من أمه.

لكن الكثيرين من المتخصصين في عيوب النطق والكلام يدركون أن هناك أحد سببن لذلك، الأول: عضويٌّ، ويتمثَّلُ في بعض أعضاء النطق مثل اللسان والفم والأنف والصدر، والثاني: في الإهمال، وعلاج الأول طبيٌّ، وعلاج الثاني المران والمماسة.

لقد وضعت العرب قديمًا قواعد للنطق، وقسمت الفم إلى ستة عشر مخرجًا لخروج كل صوت من مكان محدد به، وله صفاته التي بدونها يتحول إلى صوتٍ آخر، مثلاً حرف الراء، فهذا حرف تكراري، ومعنى أنه تكراري أن النطق به يتطلب صعودًا وهبوطًا له حتى يخرج على هذه الصورة، وتزداد هذه العملية حال كونه ساكنًا، فيصعد ويهبط مرارًا، فلو فقد هذه الصفة تحوَّل إلى صوت قريب منه وهو اللام، فنجد بعض الأشخاص لديهم لثغةً فيه، فيقولون في رمضان: لمضان، وقد اشتهر قديمًا أحد فصحاء العرب وأئمتهم وهو واصل بن عطاء في لثغة الراء، فكان ينطقها بشكل مثير للضحك والسخرية، مما دفعه إلى تبديل كل كلمة بها راء إلى كلمة في معناها ليس بها هذا الحرف الذي لا يقدر على النطق به.

وقديمًا كان كلام المولَّدين والأعاجم مثار سخرية من العرب، فجاء التحذير من مخالفة قواعد النطق والأصوات والالتزام بحركات الكلمة وسطًا وآخرًا ومخارج الحروف والابتعاد عن مخارج الموليدين والأجانب في نطق الحروف.

وصفحة الإنسان الأولى وعلاقته باللغة تحدِّدُ قدرته على إجادة النطق بها، وأول علاج لعيوب النطق هو بكاء الطفل وهو صغير، فكان الأقدمون يعدونه تدريبًا لعمليات التنفس وتوسعةً الصدر، فيُحْكَى أنه في مجلس عبد الملك بن مروان كان هناك طفلٌ يصرخ بكاءً، فأمر الوليد أن يكفَّ الطفل عن ذلك، فقال الأعرابي له: ((دعه يا أمير المؤمنين يبكي، فإنه أَرْحَبُ لصدره وأَجْلَى لصوته، وأَنْقَى لعينيهِ))، فالبكاء بصوت مرتفع يعد تمرينًا على توسعة الرئتين والإتيان بطبقات الصوت المرتفعة، أما ما يخص العينين فالبكاء ينظفهما.

والشيء العجيب في بكاء الطفل أنه فيه تدريب على التنفس السريع والبطيء خلاف المعتاد، وللعلم هذا تمرين يصنعه المغنيون، كما أنه يحافظ في أثناء بكائه على تنظيم عملية التنفس وتطويل مدته بكفاءة عالية.

وإضافة إلى كون بكاء الطفل علاجًا لأمراض النطق وتنمية للصوت والأعضاء فإنه يكون لغة لها دلالتها، فقد وظَّفت الرقمنة والذكاء الاصطناعي بعض برامجها لقراءة بكاء الأطفال وترجمتها من خلال تحليل ترددات البكاء، وذلك وفق مطوري البرنامج من فرع مستشفى جامعة تايوان الوطنية في مقاطعة يونلين. وللقيام بهذه المهمة، يقوم برنامج “مترجم بكاء الأطفال” Baby Cries Translator  بحثًا عن تذبذبات سمعية بسيطة، ثم يقارن النمط المسجل بقاعدة بيانات لتحديد السبب المحتمل، لكنه بكل تأكيد تعبير عن غضب الطفل وعدم ارتياحه.

لكن الأقوى دائمًا من الذكاء الاصطناعي هو ذكاء الفطرة التي منحها الله لقلب الأم وإحساسها ومشاعرها تجاه أطفالها.

اقرأ أيضا

إعلامُنا واللغة… متى ننْصفه وينصفنا؟

 

تعليق 1
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق