وثيقة «جيورا إيلاند» والتي رفضتها مصر

وثيقة «جيورا إيلاند» تكشف تنازلات الاخوان لإسرائيل على أرض سيناء

0 973

بقلم: خالد الحديدي

الانطلاق من مواقف ثابتة وعلى أرض ثابتة هو الموقف الذى تتحرك من خلاله مصر طوال تاريخها فيما يخص الصراع الفلسطينى الإسرائيلى.

لعل هذه هى أفضل استهلالة لما سوف نقوله فى السطور التالية، بل سبق أن أشرت إليه من قبل، إلا أن الظروف الحالية والكلمات الكثيرة التى بدأ يلوكها البعض حول توطين الفلسطينيين فى سيناء، تحتم علينا أن نذكّر لنتذكر، ليت الذكرى تنفع هؤلاء.

موضوع تبادل الأراضي هو إحدى الأفكار القديمة التى يمكن القول إن عمرها هو عمر القضية الفلسطينية نفسها، حيث يروى أن الفكرة طرحها الجانب الإسرائيلي على الرئيس الراحل أنور السادات فى أثناء مفاوضات السلام، وكانت تتلخص فى أن تتنازل مصر عن جزء من أرضها فى سيناء مقابل قطعة أرض موازية فى صحراء النقب.

المدهش أن السادات وافق ولكن بشرط، هو أن يختار هو مكان الأرض البديلة، وبالفعل اختار الرئيس الذى تميز بالدهاء ميناء إيلات، التى تعتبر المنفذ الوحيد لإسرائيل على البحر الأحمر، وهو ما أبعد الفكرة عن عقول الإسرائيليين.

استمرت محاولات تنفيذ الفكرة فى عهد الرئيس مبارك الذى كان رافضا طوال فترة حكمه حتى مناقشتها، رغم كل الإغراءات والضغوط، إلى أن جاءت جماعة الإخوان وامتطت حكم مصر خلال عام واحد، لا ندرى ماذا حدث فيه.

الدلائل تؤكد أن الإخوان قدموا تنازلات أو التزامات، ربما كانت متوافقة مع وثيقة «جيورا إيلاند» مستشار الأمن القومى الإسرائيلى الأسبق مطلع العام 2010، وهى الوثيقة الطويلة والمليئة بالتفاصيل، التى نذكر منها على سبيل التذكرة أن الإدارة الأمريكية اقترحت على الدول العربية تحسين علاقتها مع إسرائيل مقابل استعدادها للتنازل عن أراضٍ.

الأمر فى الظاهر قد يمثل خسارة للجانب الإسرائيلى، فمن جهة سيضطر الجانبان «الإسرائيلى والفلسطينى» إلى الاكتفاء بدولة صغيرة ومكتظة سكانيا، ومن جهة أخرى ستكونان محاطتين بدول ذات أراضٍ شاسعة، مع عدد قليل من السكان (الأردن، صحراء سيناء، السعودية).

الأمر الوحيد الذى تملكه الدول العربية بكثرة وتحتاج إليه إسرائيل وفلسطين بصورة مؤكدة هو الأرض، فإذا تنازلت هذه الدول عن جزء قليل من الأرض، يمكن إدخال تحسينات كبيرة على وضع الدولتين.الوثيقة مضت فى وضع أسس للاتفاق فذكرت أن على مصر أن تنقل إلى غزة مناطق مساحتها نحو 720 كيلومترا، وتشمل جزءاً من الشريط المبنى الممتد على طول 24 كيلومتراً على طول شاطئ البحر المتوسط من رفح غربا حتى العريش، إضافة إلى شريط يقع غرب «كرم سالم» جنوبا، ويمتد على طول الحدود بين إسرائيل ومصر.

وعلى هذا الأساس سيكون حجم قطاع غزة البالغ حاليا 365 كيلومترا نحو أكثر من ألف كيلو متر.

ومقابل الأراضى التى ستعطيها مصر إلى فلسطين ستحصل من إسرائيل على منطقة جنوب غرب النقب، حيث يمكن أن يصل حجم الأراضى التى ستنقلها إسرائيل إلى مصر إلى 720 كيلومتراً.

الوثيقة حاولت أن تعدد الفوائد التى ستعود على مصر جراء عملية تبادل الأراضى، وكأنها «جوائز»، حيث قالت إن مقابل إعطاء مصر الفلسطينيين- وليس إسرائيل- 720 كيلومتراً من أرضها، ستحصل على عدة فوائد قد تحل بسببها عدة مشكلات.

الجائزة الأولى – من وجهة نظر الوثيقة – هى أن مصر معزولة جغرافياً عن الجزء الشرقى من الشرق الأوسط، وذلك عبر البحر الأحمر إلى الشرق الجنوبى، والبحر المتوسط فى الشمال، ومن أجل السماح بارتباط برى، ستسمح إسرائيل بحفر قناة تربط بين الأردن ومصر. وستمر القناة التى يبلغ طولها نحو عشرة كيلومترات من الشرق إلى الغرب (على بعد خمسة كيلومترات من إيلات) وتكون خاضعة للسيادة المصرية الكاملة. بحيث لا يحتاج الانتقال من مصر إلى الأردن إلى موافقة إسرائيلية.

أما الجائزة الثانية فهى أن بين المطار الجديد فى غزة الكبرى، والمرفأ البحرى الجديد على شاطئ البحر المتوسط، والقناة التى تربط مصر بالأردن، يجرى شق شبكة من الطرق السريعة للسيارات، ويمد أنبوب للنفط (مسار هذه الخطوط سيكون بمثابة حدود أردنية – مصرية على الجانب المصرى) وتجتاز هذه الخطوط الثلاثة القناة إلى الأردن، ومن هناك ستتوزع شمالاً فى اتجاه الشمال الشرقى نحو العراق والأردن، وجنوباً فى اتجاه السعودية ودول الخليج. وسيؤدى هذا الربط إلى فوائد اقتصادية ضخمة.

وهنا الفائدة التى ستجنيها مصر واضحة: إذ ستحصل الجمارك المصرية على حصتها من حركة التنقل بين الأردن والعراق والخليج العربى من جهة ومرفأ غزة من جهة ثانية.

الجائزة الثالثة هى الخاصة بالمياه، حيث أكدت الوثيقة أن مصر تعانى من مشكلة مياه آخذة فى التفاقم وليس باستطاعة دولة نحو خمسين فى المائة من سكانها يعيشون على الزراعة الاستمرار، لعقد أو أكثر، من دون حل جذرى لمشكلة المياه. الأمر الذى يقتضى توظيف استثمارات فى تحلية مياه البحر وتكرير المياه، ويتطلب هذا أموالاً طائلة وتكنولوجيا متطورة، من هنا فإن العالم سيقدم لمصر خدمة جليلة عبر البنك الدولى فى مشاريع تحلية المياه وتكريرها، إضافة إلى جائزة بناء مفاعلات نووية من أجل إنتاج الكهرباء.

الجائزة الأخيرة كانت خاصة بالتواجد العسكرى فى سيناء، الذى كان مقيدا باتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، حيث نصت الوثيقة على السماح لمصر بإجراء تغييرات على الملحق العسكرى لاتفاق السلام.

كل هذه الجوائز وأكثر ربما كانت مسار تفاهمات بين الإخوان والجانب الإسرائيلى، إلا أن مصر بقياداتها الحالية تنطلق وفق ثوابت أخلاقية أساسية رافضة لمبدأ تبادل الأراضى مع إسرائيل، ومن قبلها الرفض الكامل لفكرة التنازل عن أى أرض مصرية لحل أى نزاع، حتى لو كان هذا النزاع الذى قدمت فيه مصر كل نفيس وغال من تضحيات أبنائها.

Visited 1 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق