مع تجربة الشاعر د.محمد سعيد العتيق هل يكون الشعر المحكك مدرسة ؟

193

بقلم سيد محمد الياسري

يظهر ان الادباء والنقاد لم يستطيعوا ان يجعلوا الشعر المحكك مدرسة – على الرغم من ان بعضهم يسمونها مدرسة –  ربما للأسباب كانت كامنة في تلك العصور ، من أهمها عدم التفريد له وتشجيعها وتغيير لفظ بعض الكلمات او الابيات مما يغيير من المعنى ويأخذ القصيدة بعيدا عن معناها الأصلي او الهدف التي قيلت فيه .. لكن يوجد شعراء حككوا حتى قيل عن قصائدهم حولية ( وهناك كثير منهم لافي سبيل الحصر زهير بن ابي سلمى )أي تبقى لدى الشاعر عام كامل ينظر فيها ، بل هناك من كان يعرضها واي نقد اليها يغير مسارها حتى تصل الى ذروتها التي تستقر فيها ( وفي العصر العباسي لافي سبيل الحصر مروان بن ابي حفصة ) ولعل المتغيرات السياسة والدافع المادي من اهم عناصر تحكيك الأخير لقصيدته ، ربما هذا العامل المؤثر الذي دعى لهذه الطريقة ان لاتعيش كمدرسة وتستمر بالحياة  لكن ان مات ذاك الدافع هل يمكن ان تكون هناك مدرسة تحكيك للشعر العربي؟ وهل يكون تحكيك بغير العنوان القديم ؟

مع جميع المستلزمات – ان جاز التعبير – في عصرنا الحالي متوفرة أي لا تحتاج القصيدة لحول كامل كي يحككها الشاعر لان القصيدة لاتحتاج وقت لسفر صاحبها لناقد او اديب ، كما لاتحتاج لتفتيش الكتب للبحث عن معاني جديدة تبعث فيها روح الاشتقاق ، ولا الى اذان موسيقية تحتاج لعالم بالبحور يبحث عنه في المدينة الفلانية او تحت بطانة السلطان ، كل هذه يمكن ان تلملم في موقع تواصل اجتماعي : نقاد وكتاب واذن موسيقية وعلماء وأساتذة وهواة وقراء .. الخ ، في الوقت ذاته الشاعر اليوم لايحتاج ان يحكك في القصيدة من اجل الدافع المادي لدى السلطان ، كما ان النشر يقيد بتاريخ وليس رواة الشعر كما في السابق ويصبح التحكيك مصدر شك وانتحال كما رآه طه حسين .

د.محمدسعيد العتيق ، وضع بداية لتلك المدرسة واعتقد انها جرأة في غاية الأهمية جاءت من الثقة التي تكللت به نفسه على انه شاعر يستمع لصوت القصيدة الجيدة ، فقد كتب قصيدة غير العمودية ، اتسمت بمطلع لايمكن ان يلملها الصوت النثري او اذن موسيقية سيابية حرة ، بل ارادت ان تتنسق على اطار البحر المنسجم ، لذا كان التحكيك فيها منفردا على الرغم من ان القصيدة قد نشرت الا ان العتيق أعاد عليها تحكيكه وزنا وهذا مالم يحدث اذ من الممكن ان تكون القصيدة سابقا قد صابها علل في الوزن او المعنى و(أرتأى ) ناظمها ذلك من خلال رأي من ناقد او سامع او متذوق او هو ادرك ذلك ، لكن هي ليس على نوع الشعر ايقاعا ، فهذا شيء جديد ، ربما سيتركه لنا العتيق … ان من اهم مميزات مدرسة التحكيك ان تنتقل القصيدة من الحر او النثر الى العمود من دون تغيرات شاملة تعيب بالمعنى وتخل بالوحدة ، وهذا ما نجح فيه العتيق حين غير ايقاعها ووضعها تحت بحر ( الكامل ) صحيح كانت التفعيلة في الحر من الكامل ( متفاعلن) وابقى على الضرب في ترفيله لحاجة ان الإيقاع يصاحب المعنى من حيث اختيار المعاني الواسعة تعطي المتخيلة عناوين تبحر به بين الإيقاع والمعنى من دون ان يضع تشتت في ذهن ( السامع ـ القاريء) والسبب يعود للعتيق نفسه لانه اذا احب احب بعمق وصفاء من دون ان يخادن في ذلك الحب وكأن الفطرة هي التي تجبله على :

مازلتِ في قدِّ الـمقـامِ و في النـدى

في رحلةِ التكوينِ، في نبعِ اليسوعِ

هذه المقامية المتنقلة بين مسافات الندى والتكوين ويسوع لا اعتقد ان العتيق جاء بها من عمق القواميس للغة العربية ، بقدر ما تذوقها بذائقة الروح ونشوة النفس ، وكأن الكون يدغدغه في هذه الكلمات لذا كان من أروع ما كتب في مطلع القصائد العربية ، وحين نقلها من الحر الى العمودي ، لم يحتاج تغير شامل في  كلمات مجرد حوّلها الى ( صدر وعجز ) عروض وضرب ، مع ان الترفيل جاء للمجزوء في الكامل فانه حافظ على التام واعطاه ضرب ( المجزوء ) المرفل ولم يحكك في إيقاع الضرب وكأنه يضرب الخيال مع عمق روحه بعمق تلك الزيادة ( سبب خفيف) للتفعيلة : متفاعلن لتكون ضربها في التام : متفاعلاتن مع تحكيك مفردة ( النخل ، نبع ) اليسوع ، والنبع لليسوع عطاء للجميع بينما تظل سيمولوجيا النخل تشير الى ابعاد الولادة والانطلاق وذلك الحليب واشارة الى القرآن الكريم بهز مريم جذع النخل.

في البيت الخامس ظلت مفردة ( جوعي ) قابلة للتحكيك الايقاعي لانها اخذت ضرب آخر ( متفاعلْ) ضرب مقطوع مضمر ـ ربما أراد ان يضع من الإيقاع معنى ، على ان محرابه محراب جوع وهو مقطوع ويحتاج الى صلة الهدية ـ من بين ١٣ بيتا شعريا ، مع ان في الحرمفردة( صلّى ) حككها في البيت مع مفردة ( هدّى):

طيرٌ، تُجــدِّلُ منْ تلافيفِ الحــقولِ

سنابلاً هـدَّى على محرابِ جوعي

فالسنابل لاتعطى بالصلاة ، بل بالهدية ، ولعل مخيلة العتيق أوسع في اختيار المفردة من حيث يجعلها كثير الهدايا ، او كعروس حين تزف لزوجها كانت هذه السنابل في محراب جوعه ، والبيت سبقه فيه تغيير معنوي يعطي لزف العروس :

تمــشي تهـــرُّ الطيـنَ أنهــارًا على

لغةِ العيونِ و تستريحُ منَ الخشوعِ

فحكك ( على هدل الغمام ) الى ( على لغة العيون ) وهذه إشارة الى استغراق حبيته ولون عينها ، فهو لايساوي الغمام حتى لو هرت دموعها طينا فهي اقرب للربيع ، فخفق خياله مع قلبه في صياغة أخرى قد تميط اللثام عن حب العتيق الرقيق وعلى عدم تحمل قلبه لوعة فراق ، وبهذا السبب كان البيت الذي قبله إيذانا لذلك التحكيك في تغييره من ( نُدفا) الى ( نتفاً ) وان كان السياق يدل على البرود ونتف الثلج ، لكن المفردة الأولى في الحر قد تدل على ندف القطن وكلاهما يشاركان في البياض الا ان الثلج ارتعاشه حاجة الجسم الى الدفء والثاني ارتعاشه من الضرب لان النداف يستخدم العصا في ندف القطن :

ضمّي استباحاتِ المُدَى و تقطَّعي

نُدفًا، و نامي بينَ أسرابِ الشموعِ

مع ان الاستباحات لا حدود لها في التقطيع  الا النوم تحت السرب لايفي فكان بينها وهي كذلك في الندف العصا بين القطن وفي الثلج الدف لا يكون الا بين ، وتكون هذه الظرفية متسعة للخلود النفس .. فيعطي للتحكيك مصداقية الدفء في حضن من أراده ان يتثلج ويرتعد من البرد …

يمكن ان تكون بداية لخلق مدرسة ، ليس حولية ، بل مدرسة تحيكك يمكن ان تخرج لنا درس نقارن فيه بين الشعر الحر والشعر العمودي ، او النثر والحر ، او كلاهما مع العمودي ، في خلق مؤثرات بين انطلاقة القصيدة من دون تحكيك وبين تحول القصيدة لايقاع اخر ومعاني وسيمولوجيا جديدة تربط الكلاسك مع المدارس الحديثة ، وهذا ما حاوله محمدسعيد العتيق ، وقد اراه نجح في تلك المحاولة .. فالحياة تصنعها الرجال وكذلك الشعر ..

تراتيلُ المطرِ

مازلتِ في قدِّ المقامِ و في الندى

في رحلةِ التكوينِ، في نبعِ اليسوعِ

بينَ العصافيرِ التي هجرتْ عرائــــشَها

على خفقاتِ روحي و الدموعِ

ضمّي استباحاتِ المُدَى و تقطَّعي

نُدفًا، و نامي بينَ أسرابِ الشموعِ

و أنا أوشّحُ وجهَكِ المنسيَّ بالماءِ

المقدَّسِ و الأناملِ و الربيعِ

تمشي تهرُّ الطينَ أنهارًا على

لغةِ العيونِ و تستريحُ منَ الخشوعِ

طيرٌ، تُجدِّلُ منْ تلافيفِ الحقولِ

سنابلًا، هدَّى على محرابِ جوعي

قلبي يفتِّشُ عن ملامحِ طيفها

عنْ وخزةِ الذكرى و عنْ وعدِ الرجوعِ

رغمَ انكساراتي يفيِّقُني الهوى

يصبو إلى تعويذةِ الولَهِ الرفيعِ

مازلتِ شهقَةَ متعبٍ رسمَ التباسي

فوقَ جدرانِ الغيابِ على الضلوعِ

العشبُ يفلتُ منْ يديكِ رسائلًا

تبكي، و رائحةُ الصنوبرِ في ربوعي

وتوقَّفَ الشجرُ الأمينُ عنِ الحراسةِ

و الغناءِ و خلوةِ الوردِ البديعِ

مازلتُ أسرحُ في السماءِ مع النخيلِ

أهزُّ عرشَ الشوقِ أبحثُ عنْ جذوعي

أنا مذْ عرفتُ بأنّها رحلتْ، و ظِلُّ

حفيفِها قربي ارتعاشٌ في جميعي

تعليق 1
  1. د . محمد سعيد العتيق يقول

    الشكر كل الشكر للاديب الناقد المبدع سيد محمد على جهوده الراقية في اكتشافات وابداعات جديدة

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق