التعسف في بلاد الحريات

التعسف في بلاد الحريات

698

بقلم د. أمل درويش.

  • مسافة شاسعة بين تمثال شامبليون وتمثال كولومبوس.
  • تكميم أفواه أم تكميم عقول؟!

كيف يمكنك أن تكيل بمكاييل مختلفة، ثم تتحدث عن العدالة والحرية والاستقرار؟

كيف يمكنك أن تدعي الديموقراطية، وحرية الرأي ولغة الحوار وقد كممت الأفواه، ونبذت كل الأصوات ولم تعد تسمع سوى صوتك؟

لم تنجح جائحة كورونا في جعلكم تكممون أفواه العالم أجمع، وتحبسون أنفاس كل البشر في داخل بيوتهم أسرى الخوف ورهينة انتظار لقاحاتكم المزعومة.

فهل كانت حادثة مقتل المواطن الأمريكي چورچ فلويد هي القشة التي قسمت ظهر البعير؟ أم كانت ورقة التوت التي سقطت لتظهر عورات نظامكم الملعون؟

وها هو الشعب الأمريكي يخرج ويتظاهر ويضرب بكل قواعد السلامة والتباعد الاجتماعي والحظر، فأين ذهب الوباء الذي قضى على آلاف البشر؟

ولكننى لم أكتب الآن لأخوض في هذا الأمر، فقد كنت أتابع كغيري من داخل مسكني ككل المحظورين مثلي في العالم والمحددة إقاماتهم، أتابع تطورات تظاهرات العالم الآخر، عالم الحرية والديموقراطية وهم يتظاهرون في أمريكا لاختناق مواطن أسود أثناء القبض عليه، ويمتد أثر المظاهرات لتصل إلى فرنسا؛ فينزل المتظاهرون للشوارع تنديدًا بالعنصرية وتعسف الشرطة.

نفس البلد “فرنسا” التي تعاملت مع المصريين بكل صلف وتجاهل حينما قاموا بوضع تمثال شامبليون وهو يضع حذاءه على رأس تمثال لملك مصري يُعتقد أنه اخناتون أو رمسيس الثاني في ساحة كلية فرنسا بجامعة السربون الذي صنعه النحات الفرنسي الشهير فردريك أوجست بيرتولدي وهو نفسه صانع تمثال الحرية الموجود في الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من اعتراض الكثير من المثقفين المصريين على هذا التمثال وشعورهم بالإهانة للحضارة المصرية القديمة بتمثيل رأس الملك المصري بهذا الوضع المهين..

وللعلم فقد كان العالم الأثري الفرنسي الشهير جون فرانسوا شامبليون عاشقًا لمصر وللحضارة المصرية، مما ساعده على معرفة اللغة القديمة وفك رموزها، وإن كانت بعض الدراسات الحديثة تفيد بأنه قد أخطأ في فهم بعض الرموز وعنها فقد نقل الحضارة المصرية بشكل غير صحيح، ولكن يسجل التاريخ أنه أول من عرف رموز اللغة المصرية القديمة؛ فهل كان ليرضى بمثل هذا التمثال؟

ومع كل الاعتراضات التي قدمها المصريون لرفع هذا التمثال من مكانه وإزالته، سواء على المستوى الشعبي أو المستوى الدبلوماسي فقد قوبلت كل هذه الاعتراضات بالتجاهل، بل قامت فرنسا في عام ٢٠١٥ بصناعة نسخة جديدة من التمثال مصنوعة من البرونز وُضعت في ساحة جامعة «جرونوبل» جنوب فرنسا.

ليصبح هناك تمثالين بنفس الشكل؛ الأقدم رخامي منذ عام ١٨٦٣ والأخير البرونزي في العام ٢٠١٥

ولم تكن مطالبات المصريين غير طبيعية أو غير معقولة، فها نحن قد رأينا الأمريكيون يزيلون تمثال كريستوفر كولومبس من وسط مدينة لوس أنجيلوس ويعتبرونه مجرد قرصان غزا بلادهم وقتل الملايين من السكان الأصليين.

وبالأمس رأينا البريطانيون يزيلون تمثالًا لتاجر العبيد الشهير روبرت ميليغان من أمام متحف لندن دوكلاندز، أحد شهر متاحف العاصمة البريطانية.

فعن أي حرية يتحدثون؟ وعن أي ديموقراطية؟

وكيف يمكن تجاهل مطلب شعب ودولة بأكملها والادعاء بأن ذلك فن أو كما حسم القضية سفير فرنسا في مصر ستيفان روماتييه قائلًا:

“التمثال يعبر عن الروابط التي تربط مصر بفرنسا، وسيظل موجوداً في موقعه كدليل على المناخ الثقافي”

Visited 4 times, 1 visit(s) today

التعليقات متوقفه